🛑فرجال...news
د. طاهر علوان
منذ أن فتحنا أعيننا على هذا الوطن، ونحن نرى أجدادنا وآباءنا يرتدون العباءة التقليدية (البشت)، تلك القطعة التي أصبحت جزءًا من المزاج الاجتماعي العراقي، وملمحًا ثابتًا في الذاكرة الشعبية؛ في الريف والبادية والقرى، وحتى في المدن. ولا تزال النجف الأشرف تُعدّ اليوم واحدة من أهم مراكز صناعة البشت العراقي، بما فيه من دقّة وحِرفة وخصوصية فنية لا تخطئها العين.
ورغم قدم هذا الزي وحضوره العميق في الثقافة العراقية، لا نعرف على وجه اليقين إلى أي حقبة تاريخية يعود استخدامه، لكن ما نعرفه بثقة هو أنه ليس طارئًا على مجتمعنا، ولا مستوردًا من ثقافات أخرى، بل هو جزء أصيل من موروثنا العربي – العراقي المتوارث عبر الأجيال.
المستغرب اليوم أن نسمع بمحاولات تسجيل “البشت” باسم دولة خليجية لدى اليونسكو بوصفه «ملكية فكرية حصرية» لها… وكأن التاريخ بدأ قبل سنوات قليلة! إن تسجيل أي موروث ثقافي لدى المنظمة يترتب عليه اعتراف عالمي بمنشأه ومرجعيته الثقافية، ومن غير المنطقي أن تُختزل ذاكرة طويلة تمتد في الوجدان العراقي لمجرد أن جهات أخرى تحركت سريعًا قبلنا.
ولذلك يبرز سؤال مهم:
هل سمعت وزارة الثقافة العراقية بذلك؟ وما الدور الذي يلعبه ممثل العراق في اليونسكو؟
وهل توجد خطة وطنية لحماية أزيائنا التقليدية من الضياع أو “المصادرة الرمزية” بفعل الإهمال؟
إن العراق يمتلك مئات القطع والأنماط من الأزياء التراثية التي تستحق التسجيل، بدءًا من العباءة والبشت والهاشمي والملابس الريفية، وصولًا إلى أزياء النساء في الجنوب والفرات والموصل وكردستان. كل قطعة منها تحمل قصة شعب وثقافة وهوية. وإذا لم تُسجّل رسميًا، فسنفقد حق الدفاع عنها، ليصبح المجال مفتوحًا لمن يملك القدرة على “السبق الإداري” وإن لم يملك الجذور الثقافية.
إن التراث لا يضيع لأنه ضعيف، بل يضيع لأن أهله أهملوه. وقد صدق المتنبي حين قال:
"من يهن يسهل الهوان عليه… ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ"
اليوم نحن بحاجة إلى موقف رسمي واضح، وإلى تحرك جاد من وزارة الثقافة والهيئة العامة للتراث، وإلى صوت وطني في اليونسكو يعرف قيمة ما نمثّله.
فالأزياء ليست مجرد قماش، بل هوية أمة، وإذا لم نحافظ على هويتنا، فسيكتبها الآخرون بمعزل عنا.
د. طاهر علوان