🛑فرجال... news
في العقد الأخير، تجاوزت العلاقات الصينية–العراقية إطار التبادل التجاري والاتفاقات النفطية، لتتحول تدريجيًا إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل مشاريع بنية تحتية كبرى، وتعاونًا استثماريًا، وتبادلًا ثقافيًا وتعليميًا بين البلدين. غير أن تأثير الصين في وسط الشارع العراقي لا يُقاس فقط بحجم العقود الموقعة مع الحكومات، بل بمدى قدرتها على ترجمة هذا الحضور إلى أثر ملموس في حياة المواطن اليومية، وإلى وعي عام إيجابي يتكوّن ببطء ولكن بثبات.
فالاستثمارات الصينية في قطاعي النفط والبنية التحتية تمثل أساسًا مهمًا، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة تأثير شعبي حقيقي ما لم تُرفَق بتركيز واضح على المشاريع التنموية اليومية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، مثل الكهرباء، والصحة، والطرق، وتنمية المدن والقرى. حين يشعر المواطن أن مشروعًا ما قد حسّن خدمته أو خفّف معاناته، يتحول الوجود الصيني من مفهوم بعيد أو سياسي إلى تجربة معيشة قابلة للنقاش الإيجابي في الشارع.
إلى جانب ذلك، يبقى التعليم والتبادل الثقافي من أكثر أدوات التأثير الناعم فعالية. فزيادة المنح الدراسية للطلاب العراقيين، وتوسيع برامج تعليم اللغة الصينية داخل العراق، وتنظيم فعاليات ثقافية وأكاديمية مشتركة، من شأنه أن يبني جسور معرفة طويلة الأمد بين الشعبين. هذا النوع من الحضور لا يُنتج رأيًا عامًا سريعًا، لكنه يؤسس لجيل يرى في الصين شريكًا معرفيًا وتنمويًا لا مجرد طرف اقتصادي.
كما أن الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي يمثل مدخلًا عصريًا للتأثير في الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب. فالشراكات في مجالات الاتصالات، والإنترنت، والتقنيات الذكية، ودعم إنشاء حاضنات أعمال رقمية ومراكز تقنية داخل الجامعات العراقية، تجعل الحضور الصيني مرتبطًا بفرص العمل والابتكار، لا فقط بالسلع أو مشاريع الطاقة. عندها يصبح الحديث عن الصين حاضرًا في مستقبل المهن، لا في نشرات الأخبار فقط.
لكن أحد أهم التحديات يتمثل في طبيعة العلاقات التي تركزت حتى الآن على الحكومات والشركات الكبرى والنخب السياسية. فالوصول إلى قلب الشارع العراقي يتطلب تواصلًا أوسع مع قطاعات المجتمع المختلفة، عبر فتح مراكز دعم وتمثيل في المحافظات، والتعامل المباشر مع المهن الحرة، والمزارعين، وأصحاب المشاريع الصغيرة. التأثير الحقيقي لا يُصنع عبر القمم والاجتماعات الرسمية وحدها، بل من خلال علاقة مباشرة يشعر فيها المواطن بأن الشراكة تخاطبه هو، لا النخبة فقط.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في المحتوى الإعلامي والثقافي، بوصفه جزءًا من معركة الرأي العام. فدعم برامج إعلامية وثقافية تشرح النموذج التنموي الصيني بشكل موضوعي، وتبادل الأفلام الوثائقية والمواد التعليمية عبر شاشات عراقية وصينية، يسهم في تقديم صورة متوازنة تقوم على التجربة لا على الدعاية، وتمنح الشارع فرصة الفهم بدل الاكتفاء بالانطباعات.
وفي كل ذلك، يبقى شرط النجاح الأهم هو فهم حساسية الشارع العراقي . فإن تقديم الصين لنفسها كشريك تنموي هو الأهم كداعم للاستقلال الوطني، من الهيمنة الخارجية هو بلا شك خط يبني أواصر القوة بين البلدين، لا كقوة مهيمنة أو بديلة عن أطراف أخرى، هو عامل حاسم في تحويل النفوذ المحتمل إلى قبول شعبي فعلي. ويجب أن يُقدَّم التفاعل الثقافي والاجتماعي باحترام واضح للهوية العراقية وخصوصياتها.
خلاصة القول إن الصين، إن أرادت تأثيرًا حقيقيًا ومستدامًا في وسط الشارع العراقي، فعليها أن تنتهج استراتيجية تتجاوز النفط والاتفاقات الحكومية، إلى تحسين مباشر لحياة المواطن، ودعم التعليم والثقافة، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وبناء علاقات مجتمعية مباشرة، وتقديم خطاب إعلامي بنّاء، مع احترام صارم للسيادة والهوية الوطنية هو الجانب الذي تعمل عليه الصين . وهو الجانب الذي تؤكد عليه الصين دائما يميزها عن غيرها . هذا التأثير لا يُصنع بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بخطوات عملية تجعل المواطن يشعر بأن الشراكة معه شخصيًا، لا مجرد رقم في معادلة سياسية أو اقتصادية.