🛑فرجال... news
بقلم / رامي أحمد اللامي
منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وُضع المواطن العراقي البسيط في مرمى الخسارة المفتوحة. دفع ثمناً باهظاً من دمه وأمنه ولقمة عيشه؛ بين شهيد وجريح ومفقود، بينما فُتحت أبواب السفر واللجوء والملاذات الآمنة أمام طبقة سياسية تورّط كثير من أفرادها في انتهاك حقوق الشعب، ونهب المال العام، والاستحواذ على مقدّرات الدولة، قبل أن يغادروا البلاد أو يتحصّنوا خلف النفوذ والحماية.
في المقابل، هُدمت بيوت المواطنين، وتحوّلت أحياؤهم إلى ساحات قصف وموت عشوائي، وهُجّروا قسراً داخل الوطن وخارجه. لم يكن أمامهم سوى الهروب إلى محافظات أخرى أو دول الجوار، بلا ضمانات، بلا تعويض، وبلا أي إحساس بوجود دولة تحميهم.
أما الطبقة السياسية التي تلت الاحتلال، فقد تسلّمت المناصب السيادية، وسكنت القصور الرئاسية، وأمسكت بمفاتيح الحكم. وبينما كانت تتقاسم السلطة والنفوذ، بقي المواطن الفقير غارقاً في الألم، محاطاً بالخوف، ومحروماً من أبسط حقوقه.
وفي ذروة الاحتقان الطائفي عام 2006، كان المواطن، بكل مكوّناته، هو الضحية مجدداً. قُتل على الهوية، وهُجّر بسبب الاسم، ودُفن بصمت. في حين أن كثيراً ممن تصدّروا المشهد السياسي آنذاك اكتفوا بالتصريحات التحريضية، يصبّون الزيت على النار، بينما بقيت عوائلهم المحصّنة بعيدة عن نيران الفوضى، تنعم بالأمان والامتيازات.
ثم جاء عام 2014، ليُعيد المشهد ذاته بصيغة أكثر قسوة. لم يُقتل أو يُهجَّر أو يُسبَ إلا المواطن البسيط. أما السياسيون وعوائلهم، فانتقلوا إلى مناطق أكثر أماناً، داخل العراق وخارجه، وامتلكوا العقارات الفارهة، بينما كان نصيب المواطن الخيام، أو العيش بين أنقاض المدن المدمّرة.
واليوم، تتخذ المأساة شكلاً مختلفاً، لكنها لا تقل قسوة: أزمة اقتصادية خانقة، ديون متراكمة، غلاء معيشي، اضطراب في سعر صرف الدولار، ضرائب تُفرض تباعاً، وعجز حكومي متكرر عن توفير الرواتب والخدمات الأساسية. ورغم ذلك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، والمتضرر الوحيد، كما كان دائماً.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
لماذا لم تمسّ هذه الأزمات الطبقة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق منذ 2003 وحتى اليوم؟
ولماذا يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في كل المراحل؟
ولمن يختصر الإجابة بالقول إن المواطن هو من جاء بهذه الطبقة السياسية عبر صناديق الاقتراع، أو باع صوته مقابل ثمن بخس، لا بد من التذكير بأن العملية الانتخابية في العراق، منذ تأسيسها، قامت في جوانب واسعة منها على تجهيل المواطن عبر شعارات دينية وطائفية وقومية وعشائرية، ثم تحولت لاحقاً إلى سوق مفتوحة لشراء الأصوات والذمم، واستغلال الفقر والحاجة والجهل للوصول إلى السلطة على حساب معاناة الناس.
العراق بلد غني بموارده وثرواته، لكنه يفتقر إلى قيادة وطنية تُقدّم المصلحة العليا، وتحمي الوطن والمواطن معاً.
والدليل واضح: مليارات الدنانير أُهدرت على انتخابات متكررة، قُدّرت كلفتها بنحو أربعة تريليونات دينار وفق أرقام متداولة وتقارير إعلامية وتصريحات نواب، إضافة إلى مئات المليارات التي صُرفت على مؤتمرات وقمم، وتبرعات نفط وحنطة، وملايين الدولارات قُدّمت لدول أخرى، في وقت يعاني فيه المواطن من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، ناهيك عن ملفات الفساد الكبرى، وفي مقدّمتها ما عُرف بـ “سرقة القرن”.
كل هذا الهدر، وكل هذا الفساد، لا يتحمّل تبعاته إلا المواطن البسيط وحده.
وحده يدفع، ووحده يخسر، ووحده يُطالَب بالصبر.
لماذا؟
حتى الكوارث الطبيعية والحوادث العرضية في هذا البلد، لا تمرّ دون أن تُثقل كاهله بالمزيد من الخسائر، بينما تكتفي الطبقة الحاكمة بالبيانات والشعارات والوعود التي لا تُطعم جائعاً ولا تحمي بيتاً.
المشكلة في العراق لم تعد أزمة حكومة أو ظرفاً استثنائياً، بل نظام كامل قائم على استنزاف المواطن وحماية الفشل.
وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن المواطن العراقي لن يُسأل قريباً: كيف تعيش؟
بل سيُترك أمام سؤال أكثر قسوة: كيف تبقى حيّاً؟