🛑فرجال... news
ليست الحروب الحديثة مجرد صدام عسكري مباشر، بل هي منظومات مركّبة من الضغط السياسي، والاختراق الاستخباري، والحرب النفسية، وإدارة الشارع من الداخل، وما يجري اليوم في إيران لا يمكن فصله عن هذا السياق؛ فالمشهد يتجاوز الاحتجاجات العابرة ليكشف عن اشتباك إرادات إقليمي ودولي، تُستخدم فيه المظاهرات، والإعلام، والعقوبات، والعمل الاستخباري بوصفها أدوات موازية للصواريخ والطائرات ، في هذا الإطار يطفو سؤال بالغ الخطورة على سطح المنطقة: ماذا لو هُزمت إيران؟ ليس عسكريًا فقط، بل استراتيجيًا ومعنويًا، بوصفها آخر دولة إقليمية ما تزال ترفع شعار المواجهة مع إسرائيل خارج منظومة التطبيع والخضوع ، إن هزيمة إيران ـ إن وقعت ـ لن تتوقف عند حدود الجغرافيا الفارسية، بل سترتد زلزاليًا على كامل الشرق الأوسط وستكون الرسالة أوضح من أن تُشرح:
من يخرج عن الطاعة يُكسر، ومن يساوم يُكافأ، ومن يصمت ينجُ مؤقتًا ،عندها لن تكون واشنطن وحدها من يفرض إيقاع المرحلة، بل ستتحول إسرائيل نفسها إلى مركز استقطاب وهيمنة لا بوصفها قوة عسكرية فحسب بل كنموذج يُحتذى في الحسم والقسوة وفرض الوقائع وهنا تحديدًا يصبح المجاز صادمًا: حذاء نتنياهو قد يغدو بوصلة عدد من حكّام العرب، لا لأنهم يؤمنون به، بل لأنهم يخشون أن يكونوا التاليين في قائمة التأديب ،
ما يجري داخل إيران اليوم من تحريك للشارع واختراق للفضاء الإعلامي واستثمار في التناقضات الاجتماعية والاقتصادية، لا يمكن قراءته بمعزل عن دور أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والدعم الأميركي المفتوح، سواء أكان هذا الدعم مباشرًا أم عبر وسطاء ومنصّات وأذرع ناعمة فالحرب هنا تُدار بعقل بارد، حيث يُستنزف الخصم من الداخل قبل أن يُضرب من الخارج ، والخطير في المشهد ليس فقط محاولة إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه، بل تكريس سابقة إقليمية تقول إن السيادة الوطنية باتت مشروطة وإن الاستقلال السياسي لم يعد مقبولًا إذا تعارض مع المصالح الإسرائيلية هذه السابقة إن ترسّخت ستدفع أنظمة عربية كثيرة إلى إعادة تموضعها لا وفق مصالح شعوبها، بل وفق معيار واحد: كيف نرضي تل أبيب وواشنطن كي نؤجّل مصيرنا؟ هنا تتحول السياسة من فن إدارة الممكن إلى غريزة بقاء، ويصبح القرار العربي رهينة الخوف لا الرؤية ويغدو التطبيع ليس خيارًا سياسيًا بل وثيقة تأمين والصمت عن الجرائم ليس موقفًا بل استراتيجية نجاة ، إن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل نحب إيران أم نختلف معها؟
بل: هل نريد شرق أوسط تُدار فيه العواصم من تل أبيب؟ وهل نقبل بأن تكون نتائج الصراع مرهونة بإرادة أجهزة استخبارات تحرّك الشارع حين تشاء وتُسكت الأنظمة متى أرادت؟ إن سقوط إيران ـ إن حدث ـ لن يكون انتصارًا للعرب بل إيذانًا بمرحلة تُعاد فيها صياغة المنطقة بلا مقاومة تُذكر حيث يُكافأ الخضوع ويُعاقَب أي شكل من أشكال الاستقلال، وتُختزل السيادة في صورة حذاء يُشار إليه احترامًا وخوفًا في آن واحد.