🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي/ كاتبة وباحثة
تعد التطورات المتسارعة التي شهدتها محافظة الحسكة السورية في مطلع عام 2026 نقطة تحول أمنية كبرى في المنطقة حيث أدت الاشتباكات الميدانية المباشرة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية( قسد) إلى خلخلة السيطرة على مراكز الاحتجاز التي تضم آلاف العناصر من تنظيم داعش وهذا الواقع الجديد دفع الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع الحكومة العراقية إلى اتخاذ قرار استراتيجي يقضي بنقل نحو اكثر 7000 معتقل من هذه السجون المهددة إلى داخل الأراضي العراقية في عملية تهدف بالدرجة الأولى إلى منع وقوع كارثة فرار جماعي قد تعيد إحياء التنظيم في البادية السورية وقد بدأت بالفعل طلائع هذه العملية بنقل الدفعة الأولى التي ضمت 150 عنصراً من جنسيات مختلفة عبر الحدود البرية تحت غطاء جوي مكثف وحماية من القوات الخاصة، مما أثار موجة واسعة من الجدل الشعبي والسياسي داخل العراق حول مدى قدرة الدولة على استيعاب هذا العدد الهائل من القنابل الموقوتة دون المساس بالأمن القومي الذي استقر بصعوبة بعد سنوات من التضحيات.
وفي هذا السياق يبرز تساؤل جوهري يطرحه الكثيرون حول سبب عدم احتضان الحكومة السورية لهؤلاء المعتقلين ما دام أنها تمثل السلطة الشرعية في البلاد والحقيقة أن الإجابة تكمن في تعقيدات الجغرافيا والسياسة الدولية حيث إن هذه السجون تقع في مناطق شرق الفرات التي كانت تحت نفوذ قوات قسد والتحالف الدولي ومع التسارع الميداني نشأ فراغ أمني حال دون تمكن دمشق من إحكام قبضتها اللوجستية فوراً على هذه المراكز فضلاً عن وجود فيتو أمريكي حازم يرفض تسليم هؤلاء المعتقلين للحكومة السورية خشية استخدامهم كأوراق ضغط سياسية أو تورطهم في صفقات تبادل مشبوهة بالإضافة إلى أن العراق يمتلك اليوم بنية تحتية سجنية أكثر حداثة وتحصيناً بدعم دولي وقدرة استيعابية تفوق ما تمتلكه السجون السورية المنهكة جراء سنوات الحرب الطويلة ناهيك عن أن غالبية هؤلاء المعتقلين هم من حملة الجنسية العراقية مما يضع بغداد أمام التزام قانوني ودولي لاستعادتهم ومحاكمتهم.
إن المخاوف الشعبية من تكرار سيناريو عام 2014 الذي شهد سقوط ثلث مساحة العراق بيد التنظيم هي مخاوف مبررة تاريخياً ونفسياً إلا أن القراءة العميقة للمعطيات العسكرية الراهنة تشير إلى فوارق جوهرية تجعل من استنساخ تلك الأحداث أمراً مستبعداً، ففي عام 2014 كان التنظيم يمتلك تفوقاً تكتيكياً وقوة دفع هجومية وسيطرة على مساحات شاسعة من الأرض، بينما يدخل هؤلاء الآلاف اليوم إلى العراق وهم مكبلون وتحت سلطة قضائية وأمنية كاملة كما أن المؤسسة العسكرية العراقية بجميع صنوفها من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي قد انتقلت من مرحلة الدفاع والارتباك التي كانت سائدة آنذاك إلى مرحلة الهجوم والاحترافية والقدرة الاستخباراتية العالية، مما يجعل أي محاولة للتمرد أو اختراق السجون العراقية الحصينة بمثابة انتحار عسكري فضلاً عن أن الحدود العراقية السورية تم تدعيمها بمنظومات مراقبة متطورة وكاميرات حرارية وخنادق تجعل من تسلل العناصر الداعمة من الخارج أمراً في غاية الصعوبة.
وعلى الرغم من استبعاد سقوط المدن مرة أخرى، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الأمن الداخلي لمراكز الاحتجاز حيث إن تكديس 7000 إرهابي يمتلكون أيديولوجيا متطرفة في سجون معينة يتطلب ميزانية ضخمة وإجراءات فصل دقيقة لمنع تحول هذه السجون إلى مدارس لتفريخ جيل جديد من المتطرفين وتعتمد الحكومة العراقية حالياً خطة لتوزيع هؤلاء المعتقلين على سجون ذات حماية قصوى بعيدة عن المراكز الحضرية مع البدء الفوري بإجراءات التدقيق القانوني لتصنيفهم بين من ارتكب جرائم مباشرة على أرض العراق وبين الأجانب الذين يتطلب التعامل معهم تنسيقاً دولياً معقداً، وهذا الملف يضع بغداد أمام مسؤولية دولية كبيرة، فهي من جهة تحمي العالم من خطر هروب هؤلاء الإرهابيين ومن جهة أخرى تتحمل أعباء أمنية واقتصادية هائلة كان من المفترض أن تتقاسمها مع المجتمع الدولي الذي ما زال يتردد في استعادة مواطنيه المنخرطين في التنظيم.
أما على الصعيد السياسي والدولي فقد انقسمت الآراء داخل البرلمان العراقي بين فريق يرى في هذه الخطوة ضرورة أمنية استباقية لمنع تسلل هؤلاء العناصر بشكل غير قانوني في حال انهيار سجون الحسكة، وفريق آخر يبدي قلقه من تحول العراق إلى مكب لنفايات الإرهاب العالمي وسط صمت دولي عن تقديم الدعم الكافي لإدارة هذا الملف وتراقب القوى الإقليمية هذا الانتقال بحذر شديد إذ ترى فيه واشنطن وسيلة لضمان عدم عودة التنظيم للظهور في الفراغ الأمني السوري بينما تسعى الحكومة العراقية للحصول على ضمانات دولية بتمويل عمليات الاحتجاز والمحاكمات وفي الختام يظهر المشهد أن العراق اليوم يؤدي دور الحارس الإقليمي عبر احتواء تداعيات الصراع السوري ومنع الفوضى من العبور إلى أراضيه ورغم أن العملية محفوفة بالمخاطر الأمنية وتتطلب يقظة استخباراتية مستمرة لملاحقة الخلايا النائمة، إلا أن الدولة العراقية تمتلك اليوم من الأدوات العسكرية والغطاء الجوي الدولي ما يكفي لضمان عدم عودة عقارب الساعة إلى الوراء، فالمعركة الآن ليست معركة جيوش في الصحراء بل هي معركة إحكام السيطرة ومنع الاختراقات الأمنية وتطبيق القانون على عناصر فقدوا كل مقومات القوة ولم يبقَ لديهم سوى انتظار الأحكام القضائية خلف القضبان العراقية التي أثبتت في السنوات الأخيرة أنها أكثر تماسكاً وحصانة مما كانت عليه في الماضي.
العالم اليوم يراقب كيف يحاول الجولاني التنصل من ماضيه (الداعشي) القديم لكن بالنسبة للأمن القومي العراقي والسوري يبقى الخطر واحداً. التحرك الأخير لنقل السجناء هو محاولة دولية لعزل (ملف داعش) تماماً عن الصراعات الأخرى (صراع الجولاني مع الدولة السورية) لضمان ألا يتم استخدام هؤلاء السجناء كوقود في المعارك الجارية حالياً بين الفصائل المسلحة والجيش..