🛑فرجال... news
د. محمد الشافعي- Dr
في مسقط، حيث اعتادت الدبلوماسية الهادئة أن تستضيف أعقد الملفات، عادت المفاوضات الأمريكية–الإيرانية لتحتل واجهة المشهد الإقليمي والدولي، ليس بوصفها طريقاً واضحاً إلى اتفاق، بل كآلية دقيقة لإدارة التصعيد ومنع الانفجار. فهذه الجولة من الحوار لا تجري في فراغ سياسي، بل في لحظة تتكاثف فيها التحركات العسكرية، والتصريحات المتشددة، والتوازنات الدولية الحساسة.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن المفاوضات تجاوزت إطارها النووي الضيق، لتتحول إلى اختبار لإرادة الطرفين في تجنب الحرب، أكثر مما هي محاولة جادة لصناعة تسوية نهائية. حضور شخصية عسكرية أمريكية رفيعة ضمن الوفد المفاوض لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة مدروسة: التفاوض يجري تحت ظل القوة، لا خارجها.
في المقابل، جاءت المقاربة الإيرانية حذرة لكنها ثابتة. طهران أكدت أن برنامجها النووي غير قابل للإيقاف، وأن حقها في التخصيب غير مطروح للمساومة، مع التشديد على أن المفاوضات تقتصر على الملف النووي دون الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي. هذا الخطاب يعكس استراتيجية إيرانية تقوم على إدارة الوقت، ورفع سقف التهديد دون تجاوز الخط الأحمر الذي قد يستجلب مواجهة مباشرة.
اللافت في هذه الجولة هو التزامن الواضح بين المفاوضات والتصريحات الدولية. الولايات المتحدة تحدثت عن ‘‘خيارات مفتوحة‘‘ في حال فشل المسار الدبلوماسي، فيما شددت إيران على أن الضغوط لن تغير من قراراتها السيادية. أما الصين وروسيا، فقد لعبتا دور الموازن غير المعلن، عبر تأكيدهما أن أي تصعيد في الخليج سيشكل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي وأمن الطاقة، وهو ما يمنح المفاوضات بعداً دولياً يتجاوز الطرفين المباشرين.
هذا التداخل بين الحوار والضغط يعكس حقيقة أساسية: لا واشنطن راغبة في حرب شاملة مع إيران، ولا طهران مستعدة لمقامرة وجودية قد تطيح باستقرارها الداخلي. الولايات المتحدة تدرك أن أي حرب ستفتح جبهات متعددة، وتؤدي إلى صدمة نفطية عالمية، وتستنزف قدراتها في لحظة دولية معقدة. أما إيران، فتعي أن الحرب ستوحد خصومها، وتضرب اقتصادها، وتضع النظام أمام اختبار داخلي قاس.
في هذا السياق، تبدو مفاوضات مسقط أقرب إلى ‘‘إدارة أزمة طويلة الأمد‘‘ منها إلى مسار تفاوضي تقليدي. لا اتفاق قريب في الأفق، لكن في الوقت نفسه لا توجد مؤشرات على قرار بالحرب. إنها حالة وسطية دقيقة: تصعيد محسوب، رسائل متبادلة، وحروب ظل تدور في الخلفية دون أن تصل إلى مواجهة مباشرة.
القلق الحقيقي لا يقتصر على الطرفين المتفاوضين، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله. أي خطأ في الحسابات، أو ضربة غير محسوبة، قد يحوّل دول الجوار إلى ساحات تصفية حسابات، ويعيد خلط أوراق الاستقرار الهش في الشرق الأوسط. من هنا، تبرز أهمية الدور العمُاني كقناة اتصال هادئة تحاول إبقاء الحوار قائماً، ولو بالحد الأدنى.
خلاصة المشهد أن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية في عُمان ليست إعلان سلام، لكنها أيضاً ليست مقدمة حتمية للحرب. إنها تعبير عن مرحلة رمادية، يدُير فيها الخصوم صراعهم بحذر، ويؤجلون الانفجار، بانتظار تغير في موازين القوى أو لحظة دولية أكثر ملاءمة للتسوية.
حتى ذلك الحين، ستبقى مسقط شاهدة على مفاوضات بلا اتفاق، وحرب بلا إعلان، فيما يقف الإقليم كله على حافة توتر مُدار، يعرف الجميع خطورته، لكن لا أحد يملك ترف كسره.