🛑فرجال... news
الدكتور محمد الشافعي – دبلوماسي وكاتب في الشأن السياسي
لم يعُد الفراغُ الدستوري في العراق عثرةَ مرحلةٍ ولا زلّةَ نظام، بل غدا نهجًا مُستدامًا، يُدار لا يُنهى، ويُؤجَّل لا يُحسَم، حتى صار الدستور مقروءًا في الأوراق، مغيَّبًا في الوقائع، محفوظًا في النص، معطَّلًا في القرار.
في دولةٍ سُبِقَ فيها تقاسمُ السلطة على بناء الدولة، وغُلِّبت فيها الحسابات على الواجبات، بات الحكمُ فنَّ التوازن لا مشروعَ السيادة، وإدارةَ الأزمة لا صناعةَ الاستقرار. وهنا يقف الإطار التنسيقي، لا شاهدًا على المشهد، بل صانعًا له، ولا خارجَ الأزمة، بل في صميم اختبارها.
إن النصَّ الدستوري لم يَضِق، ولكن الصدور ضاقت، ولم تُغلَق الأبواب، ولكن الإرادات تراجعت، فصار الاستحقاق عبئًا، والإصلاح تهديدًا، والتأجيل سياسةً تُمارَس باسم الحكمة، وهي في حقيقتها هروبٌ من الكلفة. وأمام هذا الانسداد، تتعدّد المسارات وتتشابه العِلل.
• مسارٌ أوّل يُنادي بالعودة الصارمة إلى الدستور، يُعيد للنص هيبته، وللمؤسسة اعتبارها، غير أنّه يتطلّب جرأةَ التنازل، وقبولَ الخسارة، وهو ما تعجز عنه قوى ألفت الربح بلا مساءلة.
• مسارٌ ثانٍ يقوم على تسويةٍ سياسية، تُصاغ في الغرف المغلقة، وتُسوَّق بخطاب الاستقرار، تحفظ النفوذ وتُسكّن الأزمة، لكنها تُعمّق الشك، وتُراكم الغضب، وتُقنِع الشارع بأن الدولة صفقة، لا عقدًا جامعًا.
• مسارٌ ثالث يلوّح براية الانتخابات المبكرة، لا بوصفها تصحيحًا للمسار، بل تمديدًا للأعمار السياسية، حيث تتبدّل العناوين وتثبت الوجوه، ويُعاد إنتاج المأزق بأدواتٍ مألوفة وخطابٍ مُكرَّر.
• مسارٌ رابع، يُقدَّم على أنّه حلٌّ انتقالي، عبر حكومةٍ بمهام محدودة، تُطفئ الحرائق ولا تُعيد البناء، تُسكِت الضجيج ولا تُصلِح الخلل، فتغدو مرحلةً بلا نهاية، واستثناءً بلا سقف.
• مسارٌ خامس، هو تعديلٌ دستوريٌّ انتقائي، يُلامس العِلل ولا يقترب من الجذور، يُفتَح له الباب نظريًا، ويُغلَق عمليًا، خوفًا من أن يُعيد توزيع السلطة قبل أن يُعيد بناء الدولة.
• مسار سادس، وهو الأخطر والأفقر سياسيًا، فيقوم على إدارة الفراغ بوصفه واقعًا، والتعايش مع التعطيل كسياسة، حيث تُدار الدولة بلا رأس، وتُحكَم بلا بوصلة، ويُراكم الزمن ما عجز القرار عن حسمه.
• ويبقى المسار السابع، والأكثر إيلامًا داخل الإطار نفسه، وهو إعادة النظر في القيادة والخطاب، وتقديم وجوهٍ أقل استهلاكًا، ولغةٍ أقل استفزازًا، وهو مسار إن لم يُختَر طوعًا، فسيُفرَض قسرًا حين تضيق الخيارات.
غير أن السؤال الجوهري لا يكمن في عدّ المسارات، بل في امتلاك الجرأة على اختيار أحدها. ففي لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القيادة بما تُؤجّله من أزمات، بل بما تحسمه من قرارات، ولا بما تحافظ عليه من مواقع، بل بما تُنقذه من انهيار.
إن العراق اليوم لا يعاني من فقر الحلول، بل من شُحّ الإرادة، ولا من غياب النصوص، بل من تأجيل القرار. وبين نصٍّ مُعطَّل وقرارٍ مُؤجَّل، يُختَبَر معنى الدولة، ويُكتَب مستقبل وطنٍ أنهكته التسويات وأتعبه الانتظار.