🛑فرجال... news
د. أحمد فلحي
لم يعد العامل الشيعي تفصيلاً اجتماعياً في خرائط الشرق الأوسط، بل أصبح عنصراً مؤثراً في صناعة القرار الدولي والإقليمي. التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية دفعت بالمكوّن الشيعي من موقع التهميش السياسي في عدد من الدول إلى موقع التأثير المباشر في ملفات الحكم والأمن والطاقة.
الجغرافيا كانت نقطة البداية. فالوجود الشيعي يتمركز في مناطق حساسة من حيث الثروات الطبيعية والممرات الاستراتيجية. جنوب ووسط العراق يمثلان ثقلاً سكانياً ونفطياً حاسماً. شرق السعودية يجاور أهم الحقول النفطية في الخليج. في البحرين يشكل الشيعة غالبية سكانية معادِلة للمعادلات السياسية الداخلية، وفي الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة حضور اجتماعي مؤثر ضمن البنية الوطنية. أما جنوب لبنان فيقع على تماس مباشر مع حدود إسرائيل، ما يمنح العامل الشيعي بعداً أمنياً يتجاوز الداخل اللبناني.
إلى جانب ذلك، تمثل إيران الدولة المركزية في هذا الامتداد، بحكم حجمها الجغرافي والديمغرافي ومشروعها السياسي. وفي القوقاز، تشكل أذربيجان حالة فريدة، إذ تُعد من أكبر الدول ذات الأغلبية الشيعية في العالم، مع نظام سياسي علماني وعلاقات إقليمية معقدة تتقاطع فيها المصالح مع روسيا وتركيا وإيران. هذا الامتداد من الخليج إلى القوقاز يمنح الحضور الشيعي بعداً عابراً للأقاليم، يتصل بالطاقة وخطوط النقل والممرات الاستراتيجية.
التحول المفصلي بدأ مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة روح الله الخميني عام 1979، حين تأسس نموذج سياسي أعاد تعريف دور الشيعة في الحكم. ثم جاء سقوط نظام صدام حسين عام 2003 لينقل شيعة العراق إلى مركز القرار بعد عقود من الإقصاء. وفي لبنان، صعود حزب الله رسّخ معادلة ردع إقليمية وضعت المكوّن الشيعي في صلب توازنات القوة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية “محور” مقابل “خصوم”. ففي كل دولة توجد حسابات وطنية خاصة. في الخليج، يرتبط الحضور الشيعي بسياقات المواطنة والإصلاح السياسي أكثر من ارتباطه بالصراعات الإقليمية. في أذربيجان، تتقدم الهوية الوطنية والقومية على البعد المذهبي في صناعة القرار. في العراق ولبنان، يتقاطع الديني بالسياسي في معادلة أكثر تعقيداً. هذا التنوع يعني أن العامل الشيعي ليس كتلة واحدة، بل فسيفساء سياسية واجتماعية تتفاعل بطرق مختلفة مع محيطها.
الدول الكبرى باتت تدرك أن أي استقرار طويل الأمد في المنطقة يمر عبر فهم هذه الفسيفساء، لا عبر التعامل معها كامتداد واحد. كما أن دول الإقليم تميل تدريجياً إلى إدارة التوازن بدل الصدام، بعدما أثبتت التجارب أن سياسات الإقصاء تؤدي إلى هشاشة داخلية لا إلى استقرار دائم.
المستقبل، في ضوء هذه المعطيات، يفتح سيناريوهات جديدة. فالمكوّن الشيعي يمتد اليوم من الخليج العربي إلى القوقاز، ويقع في قلب مناطق الطاقة والتجارة والممرات البرية والبحرية. هذا الموقع يمنحه فرصة تاريخية ليكون شريكاً رئيسياً في إعادة صياغة التوازنات الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط ومحيطه.
غير أن هذه الفرصة مشروطة بقدرة النخب الشيعية في مختلف الدول على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية وتعزيز الاستقرار الداخلي. إذا نجحت التجارب السياسية في العراق ولبنان في بناء مؤسسات فعالة، وإذا واصلت دول الخليج مسارات الإدماج والاستقرار، وإذا حافظت أذربيجان على توازنها بين الهوية الوطنية ومحيطها الإقليمي، فإن الثقل الشيعي سيتحول من عنصر حساس في المعادلة إلى عنصر بناء فيها.
إن لحظة التحول الراهنة لا تتعلق بالهيمنة، بل بإعادة تعريف الدور. ومع تراجع منطق الحروب الشاملة وصعود منطق المصالح الاقتصادية والتكامل الإقليمي، يمتلك الشيعة، بحكم انتشارهم وثقلهم في مفاصل القرار في أكثر من دولة، فرصة حقيقية ليكونوا أحد أعمدة إعادة بناء الشرق الأوسط على أسس أكثر توازناً واستقراراً.
وإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة، فإن الحضور الشيعي الممتد من الخليج إلى القوقاز لن يكون مجرد عامل مؤثر في المعادلة، بل قوة مساهمة في صياغة مستقبل المنطقة، وشريكاً أساسياً في بناء شرق أوسط جديد يقوم على الدولة والاستقرار والتنمية بدل الانقسام والصراع