🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
يُمثل غياب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي اللحظة الأكثر خطورة وحساسية في تاريخ إيران المعاصر منذ ثورة عام 1979 إذ لا يُعتبر خامنئي مجرد رئيس للدولة بل هو الصمام السياسي والديني الذي يمسك بخيوط التوازنات المعقدة بين الأجنحة المتصارعة داخل النظام. إن رحيله سيفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة من (السيولة السياسية) التي قد تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل حيث ستواجه البلاد معضلة الشرعية والوراثة في ظل احتقان داخلي غير مسبوق وضغوط خارجية بلغت ذروتها.
تبدأ إرهاصات ما بعد خامنئي من داخل أروقة (مجلس خبراء القيادة) المنوط به اختيار الخليفة حيث ستصطدم الرؤى المحافظة المتشددة بضرورة الحفاظ على بقاء النظام. التحدي الأكبر هنا يكمن في غياب شخصية تتمتع بالكاريزما الدينية والسياسية التي امتلكها خامنئي على مدار عقود مما قد يدفع النظام نحو نموذج (القيادة الجماعية) لفترة مؤقتة أو الانتقال إلى حكم أكثر عسكرة تقوده قوات الحرس الثوري. هذا الانتقال قد لا يمر بسلام إذ يتوقع المراقبون أن يؤدي صراع الأجنحة إلى شلل في اتخاذ القرار خاصة مع وجود تيار يطمح للإصلاح وآخر يرى في التشدد وسيلة وحيدة للنجاة.
على الصعيد الاجتماعي سيشكل موت المرشد لحظة اختبار حاسمة للشارع الإيراني الذي يغلي تحت وطأة الأزمات الاقتصادية وتراجع الحريات. فغياب السلطة الروحية العليا قد يكسر حاجز الخوف لدى القوى المعارضة والحركات الاحتجاجية مما قد يحول فترة الحداد إلى موجة من المظاهرات العارمة التي تطالب بتغيير هيكلي في بنية الحكم. إن الفجوة العميقة بين الجيل الشاب الذي لا يشعر بالانتماء لأيديولوجية الثورة وبين النخبة الحاكمة ستجعل من عملية الانتقال السلمي للسلطة أمراً محفوفاً بالمخاطر حيث سيراقب العالم ما إذا كان النظام سيلجأ للقمع المفرط لتثبيت الخليفة الجديد أم سيضطر لتقديم تنازلات مؤلمة.
أما إقليمياً ودولياً فإن حلفاء إيران وخصومها سيقفون على أطراف أصابعهم فالفراغ في قمة الهرم الإيراني قد يؤدي إلى ارتباك في إدارة (محور المقاومة) في لبنان والعراق واليمن حيث كان خامنئي هو المرجعية النهائية لضبط إيقاع هذه الفصائل. وفي المقابل قد تجد القوى الغربية وإسرائيل في هذه اللحظة فرصة لزيادة الضغط من أجل تحجيم البرنامج النووي الإيراني أو تقليص نفوذ طهران الإقليمي. إن إيران ما بعد خامنئي لن تكون مجرد نسخة باهتة من الماضي بل ستكون كياناً مضطراً لمواجهة واقعه دون (الأب الروحي) الذي صاغ هويتها لثلاثة عقود مما يضع الدولة أمام خيارين أحلاهما مر إما الانغلاق الشمولي الكامل خلف المؤسسة العسكرية أو الدخول في نفق من الاضطرابات التي قد تؤدي إلى تحول جذري في شكل الدولة الإيرانية.
يمثل الحرس الثوري الإيراني (Sepah) القوة الأكثر تنظيماً وتأثيراً في صياغة مستقبل إيران ما بعد خامنئي حيث تحول بمرور العقود من مجرد قوة عسكرية لحماية الثورة إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية وعسكرية عابرة للحدود وهو ما يجعله صانع الملوك الحقيقي في المرحلة الانتقالية. إن غياب المرشد الذي كان يوازن بحكمة بين المؤسسة العسكرية ورجال الدين سيترك فراغاً قد يندفع الحرس الثوري لملئه بشكل مباشر أو غير مباشر لضمان بقاء النظام وحماية مصالحه الهائلة التي تغلغلت في كافة قطاعات الدولة من النفط والإنشاءات إلى الاتصالات والسياسة الخارجية.
في سيناريو الخلافة من المرجح أن يتدخل الحرس الثوري لفرض (مرشح الضرورة) الذي يضمن استمرار النهج المتشدد وتأمين الغطاء الشرعي لتحركات الحرس أو قد يذهب أبعد من ذلك عبر تحويل منصب (الولي الفقيه) إلى منصب رمزي وتولية شخصية ضعيفة تتيح للقيادات العسكرية إدارة البلاد من خلف الستار.
هذا التحول نحو العسكرة الكاملة للنظام الإيراني سيعني تغليب المنطق الأمني والعسكري على المنطق الديني والسياسي التقليدي مما قد يؤدي إلى صدام صامت مع بيوت المراجع الدينية في قم التي قد تخشى من تآكل سلطتها الروحية لصالح جنرالات الحرس.
على الصعيد الميداني يمتلك الحرس الثوري عبر قوة القدس مفاتيح النفوذ الإقليمي ورحيل خامنئي قد يدفع قيادات الحرس إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة في الملفات الإقليمية والنووية لإثبات القوة ومنع الخصوم من استغلال لحظة الضعف الداخلي. ومع ذلك يظل التحدي الأكبر للحرس هو الوحدة الداخلية فغياب المرشد قد يفتح الباب لبروز خلافات بين أجنحة الحرس نفسه حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات الشعبية أو مع الضغوط الدولية.
إن قدرة الحرس الثوري على ضبط الشارع والقضاء على أي تحرك معارض في الايام الأولى لغياب المرشد ستكون المعيار الحاسم الذي سيحدد ما إذا كانت إيران ستنتقل إلى عهد (الديكتاتورية العسكرية الثورية) المستقرة أم ستدخل في دوامة من الصراع على السلطة قد تضعف قبضة النظام الحديدية إلى الأبد.
تشير التقديرات الصادرة عن البيت الأبيض وتحديداً تصريحات الرئيس دونالد ترامب إلى أن العمليات العسكرية الكبرى قد تستغرق ما بين 3 إلى 4 أسابيع. هذا الجدول الزمني يعتمد على استراتيجية (الشلل الكامل) حيث تسعى القوات الأمريكية والإسرائيلية في هذه الفترة إلى تدمير منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وتحييد سلاح الجو والدفاع الجوي الإيراني وضرب ترسانة الطائرات المسيرة التي أثبتت أنها التهديد الأكثر إزعاجاً.
إذا نجحت هذه الضربات في تجريد طهران من قدرتها على الرد الانتقامي المؤثر فقد نشهد إعلاناً لوقف العمليات العسكرية بحلول منتصف أبريل 2026 مع فرض واقع أمني جديد.
مؤشرات التوقف المرتبطة بالقيادة الجديدة:
توقف الحرب مرتبط عضوياً بهوية الخليفة الذي سيستقر عليه نظام (ما بعد خامنئي) فإذا نجح الحرس الثوري في فرض مجتبى خامنئي مرشداً جديداً بسرعة فقد يلجأ الأخير إلى تجرع السم (على خطى الخميني عام 1988) والموافقة على وقف إطلاق النار لإنقاذ ما تبقى من هيكل النظام ومنع انهيار الدولة الكامل. أما إذا استمر الفراغ في السلطة وتعددت رؤوس القرار داخل (مجلس القيادة المؤقت) فإن غياب طرف مفاوض واحد قد يطيل أمد الضربات لأسابيع إضافية حتى يتبلور طرف يمكن لواشنطن توقيع (اتفاق استسلام) أو (تسوية كبرى)معه.
سيناريو الاستنزاف (ما قد يؤخر النهاية) فرغم التفاؤل الأمريكي بنصر سريع إلا أن هناك مؤشرات قد تؤدي لتمدد الصراع أهمها لجوء إيران لاستراتيجية (ضرب الجميع) حيث بدأت بالفعل استهداف منشآت الطاقة في دول الجوار والقواعد الأمريكية في المنطقة لرفع تكلفة الحرب عالمياً. إذا أدت هذه الهجمات إلى قفزة جنونية في أسعار النفط أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز فقد تضطر واشنطن لتوسيع العمليات لتشمل (غزواً برياً محدوداً) أو عمليات تأمين بحري طويلة الأمد مما يعني أن الحرب قد لا تتوقف بانتهاء الضربات الجوية بل تتحول إلى صراع استنزاف إقليمي قد يمتد حتى نهاية عام 2026.
في النهاية نحن نقترب من لحظة الحسم فالمؤشرات الحالية ترجح أن تنتهي العمليات العسكرية الواسعة في غضون شهر لتبدأ بعدها حرب من نوع آخر حرب سياسية ودبلوماسية لرسم شكل إيران الجديد. التوقف الفعلي لن يحدث بمجرد صمت المدافع، بل عندما تقتنع القيادة الجديدة في طهران أن ثمن الاستمرار هو زوال (دولة الفقيه) تماماً من الوجود.
هل ستمثل هذه السنة نقطة النهاية لإيران التي عرفها العالم طوال أربعة عقود فالمخاض العسير الذي تمر به طهران حالياً يشير إلى أن الحرب لن تنتهي فقط بتسوية عسكرية بل بتغيير جوهري في هوية الدولة الإيرانية سواء عبر صفقة كبرى تفرضها واشنطن أو عبر سقوط النظام من الداخل نتيجة الجوع والضغط العسكري الممنهج..