🛑فرجال... news
.......... إن محاولة فرض سلم رواتب موظفي الدولة على شبكة الإعلام العراقي لا يمكن أن تتم بقرار حكومي، بل تحتاج ـ إن أريد لها أن تتم ـ إلى تعديل قانون الشبكة نفسه في مجلس النواب. أما أن يتم ذلك بقرار تنفيذي فهذا يمثل تجاوزاً واضحاً على القانون وعلى مبدأ استقلال المؤسسات الإعلامية العامة.
لكن القضية في جوهرها ليست قانونية فقط. القضية تتعلق بمستقبل الإعلام العام في العراق. فإما أن تبقى شبكة الإعلام العراقي مؤسسة إعلام عام مستقلة تعمل وفق فلسفة الإعلام الحر الذي يخاطب المجتمع كله، وإما أن تتحول تدريجياً إلى جهاز إعلام حكومي يخضع لمنطق الإدارة البيروقراطية.
لقد عانى العراق طويلاً من تجربة الإعلام الحكومي الذي كان مجرد أداة في يد السلطة. وكان من المفترض أن تكون شبكة الإعلام العراقي خطوة للخروج من تلك التجربة وبناء إعلام عام مهني يخدم المجتمع والدولة معاً دون أن يكون تابعاً للحكومة. وإذا كان هناك خلل مالي أو إداري في الشبكة ـ وهو أمر يمكن أن يحدث في أي مؤسسة ـ فإن معالجة هذا الخلل يجب أن تتم في إطار القانون وبما يحافظ على استقلال المؤسسة، لا عبر قرارات متسرعة تهدم الفلسفة التي قامت عليها.
إن تحويل شبكة الإعلام العراقي إلى دائرة حكومية لن يوفر المال بقدر ما سيكلف العراق خسارة أهم مؤسسة إعلام عام يمتلكها. والإعلام العام المستقل ليس ترفاً، بل هو أحد شروط بناء الدولة الحديثة التي تحترم المجتمع وتثق بقدرة مؤسساتها على العمل بعيداً عن الهيمنة الحكومية المباشرة.
ولهذا فإن القرار الأخير لمجلس الوزراء لا يثير فقط جدلاً إدارياً، بل يطرح سؤالاً سياسياً وثقافياً كبيراً: هل يريد العراق إعلاماً عاماً مستقلاً يخدم المجتمع، أم إعلاماً حكومياً يعود بنا إلى ما قبل فكرة الإعلام الحر؟
والجواب على هذا السؤال سيحدد ليس فقط مستقبل شبكة الإعلام العراقي، بل مستقبل فكرة الإعلام العام في العراق كله .