🛑فرجال... news
تتطلب الإدارة الرشيدة في أي دولة وضع خطط تستند إلى مبدأ النتائج وجدوى القرارات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باستحداث برامج تمس بنية الدولة ومجتمعها بشكل مباشر. ومن بين هذه القضايا، تبرز فكرة الخدمة الإلزامية كأحد المشاريع التي تُطرح في سياق بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية البلاد وتعزيز وحدتها.
من حيث المبدأ، يمكن النظر إلى الخدمة الإلزامية بوصفها أداة لبناء جيش يرتبط بعقيدة وطنية جامعة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية لدى المواطنين. إلا أن نجاح هذا المشروع لا يتوقف على مجرد تطبيقه، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود قيادة حكيمة ومخلصة، قادرة على إدارة هذا الملف بحس وطني عالٍ، يضمن وضع أبناء البلاد في بيئة آمنة ومنضبطة، تحترم إنسانيتهم وتستثمر طاقاتهم.
كما أن تحقيق الأهداف المرجوة من الخدمة الإلزامية يتطلب توفير بنية عسكرية متطورة، من حيث المناهج التدريبية، والتسليح الحديث، والكفاءة القيادية، بما يواكب تطور الجيوش الحديثة. فبدون هذه المقومات، يتحول المشروع من أداة بناء إلى عبء إداري ومالي، وقد ينزلق إلى نتائج عكسية تمس استقرار الدولة بدل تعزيزها.
وتكمن الخطورة الحقيقية في إمكانية انحراف هذا المشروع عن أهدافه الوطنية، ليصبح أداة بيد قيادات ضعيفة أو غير مؤهلة، أو أن يُستغل ضمن أطر ضيقة ذات طابع طائفي أو سياسي. ففي مثل هذه الحالات، لا يسهم الجيش في توحيد المجتمع، بل قد يتحول إلى عامل انقسام، خاصة إذا افتقر إلى العقيدة الوطنية الجامعة والقيادة المركزية المسؤولة.
إن التجارب السابقة تفرض ضرورة التوقف بجدية عند أي مشروع من هذا النوع، وإعادة تقييم مدى جاهزية الدولة، مؤسساتيًا وإداريًا، لتطبيقه بشكل سليم. فالسؤال الجوهري لا يكمن في أهمية الخدمة الإلزامية من حيث المبدأ، بل في قدرة الواقع العراقي الحالي على احتضان هذا المشروع وتحقيق أهدافه دون أن ينحرف عن مساره.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل: هل يمتلك العراق اليوم مقومات تأسيس جيش وطني محترف، قادر على استيعاب نظام الخدمة الإلزامية ضمن إطار مؤسسي نزيه وفعال؟ أم أن الظروف الحالية قد تجعل من هذا المشروع عبئًا إضافيًا بدل أن يكون ركيزة لبناء الدولة؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي مراجعة موضوعية وشاملة، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتوازن بين الطموح والواقع، قبل المضي في اتخاذ قرار بهذا الحجم.