🛑فرجال... news
بعد تكليف رجل الأعمال الشاب برئاسة الوزراء، إلا أنه تستحضرني بمرارة تصريحات وتحذيرات السياسي العراقي الراحل الدكتور أحمد الجلبي، والذي بحّ صوته وهو يحذر من تحول الدولة العراقية من كيان سياسي إلى مجلس إدارة مالي تحركه الصفقات والمصالح الضيقة.
واليوم يبدو أن نبوءته قد تحققت بالكامل.
فقد كان الراحل أحمد الجلبي من أوائل من فتحوا “الصندوق الأسود”، وقبل وفاته صرّح محذراً من أن المصارف الأهلية في العراق ليست مؤسسات تنموية، بل مجرد واجهات مالية لكتل سياسية نافذة، تعمل على تهريب العملة وغسيل الأموال تحت غطاء الاستيراد الوهمي.
واليوم، يجسد رئيس الوزراء ذروة هذا المسار. فلأول مرة في تاريخ العراق الحديث يتم تسليم أعلى منصب تنفيذي في الدولة لشخصية لا تملك أي تاريخ سياسي أو أمني، بل قادمة مباشرة من قطاع المال وإدارة المصارف الخاصة.
هذا التحول يعني حرفياً أن كارتيلات المال التي حذر منها الجلبي لم تعد تكتفي بالتحكم في الاقتصاد من وراء الستار، بل صعدت لتُمسك بزمام القيادة السياسية للبلاد علناً.
ولطالما انتقد أحمد الجلبي غياب الرؤية الاقتصادية للدولة، ولجوء الأحزاب لتقاسم موارد الوزارات كحصص وأرباح. واليوم، تتفق كبرى الصحف العالمية ومراكز الأبحاث على أن العراق دخل رسمياً عهد “دولة مجلس الإدارة”.
ولم يعد رئيس الوزراء رجل دولة يحمل رؤية سياسية أو عقيدة وطنية لتفكيك الأزمات، بل تحول إلى ما يشبه المدير التنفيذي، الذي يتمثل دوره الأساسي في تسيير الأعمال اليومية، وتوزيع الحصص والعمولات على المساهمين من قادة الكتل السياسية المتنفذة، وضمان استمرار تدفق الأموال ضمن منظومة المحاصصة، مع تجنب غضب الشارع أو الاصطدام المباشر بالمجتمع الدولي.
أما التحذير الأكثر دقة الذي أطلقه أحمد الجلبي، فكان تأكيده المستمر بأن البنك الفيدرالي الأمريكي لن يسكت إلى الأبد عن عمليات نزيف وتهريب الدولار من العراق، وأن العقوبات والقيود الصارمة آتية لا محالة لتخنق الاقتصاد العراقي المعتمد كلياً على النفط.
وهذا التحذير هو المحرك الفعلي لكل ما يجري في بغداد اليوم.
وقد جاء مرشح التسوية لأن القوى السياسية التقليدية اصطدمت بـ “فيتو” أمريكي صارم على أسماء صفوفها السياسيين، وعجزت عن مواجهة شروط الخزانة الأمريكية الصارمة المفروضة على حركة الدولار والمصارف العراقية.
والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن المرشح نفسه كان يدير مصرفاً وواجه قيوداً وعقوبات في فترات سابقة ضمن هذه الحملة الأمريكية، ليجد نفسه اليوم مطالباً بحل الأزمة التي تنبأ بها الجلبي قبل أكثر من عشر سنوات.
إن ما يشهده العراق اليوم ليس تطوراً ديمقراطياً، بل إعلاناً رسمياً عن موت السياسة التقليدية التي تعتمد على البرامج والانتخابات والشرعية الشعبية، والانتقال الكامل إلى براغماتية المصالح المالية.
لقد صدق أحمد الجلبي في قراءته للمستقبل؛ فالدولة التي تُفرط في نظامها المصرفي وتسمح للمال السياسي بابتلاع مؤسساتها، ستنتهي حتماً بأن تُدار بعقلية الشركات القابضة، حيث يصبح المواطن مجرد تفصيل ثانوي، وتتحول السياسة إلى غطاء لتمرير الصفقات الكبرى.
(منقول)