🛑فرجال... news
في عالمٍ تتراجع فيه القيم أمام التفاهة، وتضيع فيه المسؤولية وسط الضجيج والاستهتار، يبدو المشهد الدولي وكأنه يسير نحو فوضى مفتوحة لا تحكمها القوانين ولا تردعها الأخلاق. عالمٌ تتحول فيه القوى العظمى إلى أدوات للهيمنة، وتُساق فيه الجيوش إلى البحار تحت ذرائع الحصار والسيطرة، بينما تتآكل هيبة تلك القوى أمام شعوب تمتلك إرادة المواجهة ورفض الانكسار.
حين تفرض دولة بحجم الولايات المتحدة حصاراً على منطقة بأكملها، وتحوّل بحارها إلى ساحات استنزاف وقلق، فإنها لا تعكس قوةً بقدر ما تكشف حجم الاضطراب الذي يعتري مشروعها السياسي والعسكري. فالسفن التي جاءت لتفرض الهيمنة، أصبحت تعيش هاجس الهجمات المباغتة، وتترقب الزوارق المفخخة، وتواجه الخوف وسط تلاطم الأمواج واضطراب البحار، حتى بدا المشهد وكأن القوة العظمى دخلت مرحلة الهلوسة السياسية والعسكرية.
إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس الحرب وحدها، بل العقلية التي تتوهم إمكانية صناعة شرق أوسط جديد بالقوة، أو بناء خرائط خيالية تقوم على الإقصاء والكراهية تحت مسميات مثل “الشرق الأوسط الخالي من المسلمين” أو “إسرائيل الكبرى”. تلك المشاريع لم تنتج سوى مزيد من الفوضى والكراهية والدمار، لأنها تتعارض مع حقائق التاريخ وإرادة الشعوب.
صحيح أن بعض الأنظمة والشعوب اختارت الركوع والخضوع، لكن في المقابل ما تزال هناك قوى ترفض الذل والانكسار، وتؤمن بأن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع. من اليمن إلى لبنان وإيران والعراق، برز رجال حملوا فكرة الصمود ورفضوا أن تتحول أوطانهم إلى ساحات للنهب والهيمنة.
لقد فقد العالم الكثير من توازنه، حتى بات أشبه بغابة تتربص فيها القوى ببعضها البعض، وتبحث عن فرص الاقتناص ولو على حساب الإنسانية والاستقرار. وفي خضم هذا الجنون السياسي، تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها أسقطت عن نفسها صورة الدولة القائدة، بعدما غرقت في التهوّر والتلفيقات والانجرار وراء مشاريع لا تنتج سوى الأزمات.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من البوارج والأساطيل، بل يحتاج إلى قدر من الحكمة يعيد للإنسان قيمته، وللقانون هيبته، وللسياسة معناها الحقيقي بعيداً عن الغطرسة والاستعلاء. فحين تُهان الأسود وتفقد مكانتها، يصبح الزمن نفسه مادة للسخرية، ويغدو العالم كله عالقاً داخل سنفونية كبرى من الاضطراب.