🛑فرجال... news
قضيت خلال مشواري الدبلوماسي عقدًا كاملًا من الزمن في الصين، حاولتُ فيه — بقدر ما تسمح به دهاليز السياسة وتعقيدات الشرق — أن أفهم محركات العقل الصيني، وطريقة اشتغاله في إدارة المصالح، وصياغة المواقف، وقراءة التحولات الدولية. ولم تكن تلك السنوات مجرد ممارسةٍ وظيفية عابرة، بل رحلةً طويلة في مراقبة السلوك السياسي لبكين؛ كيف تُصغي أكثر مما تتكلم، وكيف تُخفي في صمتها ما لا تقوله في بياناتها، وكيف تبني نفوذها بهدوءٍ يشبه زحف التاريخ لا صخب الإمبراطوريات.
وخلال تلك السنوات، أدركتُ أنّ أكبر خطأ يقع فيه كثير من الساسة الغربيين — والأمريكيين تحديدًا — أنهم يحاولون فهم الصين بالأدوات ذاتها التي يفهمون بها أنفسهم؛ فيقيسون بكين بمعايير واشنطن، ويبحثون في السياسة الصينية عن الانفعالات ذاتها، وعن منطق الاصطفافات الحادّة نفسه، بينما تتحرك الصين وفق فلسفة مختلفة تمامًا، فلسفةٍ ترى العالم شبكة مصالح متحركة لا ساحات ولاءٍ وعداءٍ مطلق.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو الحديث الأمريكي عن وجود “رؤية مشتركة” بين واشنطن وبكين تجاه الملف الإيراني أقرب إلى سوء فهمٍ عميق لطبيعة التفكير الصيني، منه إلى توصيفٍ دقيق لواقع العلاقات الدولية.
منذ عقودٍ طويلة، والولايات المتحدة الأمريكية تُدير علاقتها بالعالم بعقلية الإمبراطورية التي اعتادت أن ترى الآخرين انعكاسًا لذاتها؛ فتقرأ الأمم لا كما تُعرّف نفسها، بل كما ترغب واشنطن أن تكون. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن يخرج دونالد ترامب خلال زيارته إلى الصين بتصريحٍ يوحي بأن بكين وواشنطن “تتقاسمان الرؤية ذاتها” في الملف الإيراني، وكأنّ الشرق الأقصى قد قرر أخيرًا أن ينظر إلى العالم بعينٍ أمريكية، وأن يتحدث باللغة الجيوسياسية ذاتها التي صاغتها القوة الغربية منذ نهاية الحرب الباردة.
غير أنّ المشكلة لا تكمن في التصريح وحده، بل في البنية الذهنية التي أنتجته؛ تلك الذهنية التي لا تزال تتوهم أن العالم يتحرك ضمن خرائط النفوذ الأمريكية، وأنّ القوى الصاعدة لا بد أن تنتهي — عاجلًا أم آجلًا — إلى تبني تعريف واشنطن للأصدقاء والخصوم، وللاستقرار والفوضى، وللشرعية والتمرد.
لكنّ الصين ليست تلميذًا في المدرسة الأمريكية، ولا وريثًا سياسيًا للحضارة الغربية، بل حضارةٌ تنظر إلى الزمن ببطء الإمبراطوريات العتيقة، وتحسب مصالحها بمنطق القرون لا بمنطق الدورات الانتخابية.
إنّ القراءة الأمريكية للموقف الصيني تجاه ايران تبدو، في جوهرها، قراءةً مفعمةً بالاستعجال وسوء الفهم؛ لأنّ واشنطن لا تزال تُصرّ على تفسير الحذر الصيني بوصفه اصطفافًا، وتتعامل مع المجاملة الدبلوماسية وكأنها إعلان ولاء سياسي. بينما تتحرك بكين وفق فلسفة مختلفة تمامًا؛ فلسفة لا تؤمن بالعالم بوصفه معسكرين متقابلين، بل بوصفه شبكة مصالح متشابكة، لا مكان فيها للعداوات المطلقة ولا للتحالفات العقائدية الجامدة.
فالصين لا تنظر إلى ايران باعتبارها “دولة مارقة” كما تصفها الأدبيات الأمريكية، بل تراها عقدةً استراتيجية في جغرافيا الطاقة، وممرًا بالغ الحيوية في مشروع “الحزام والطريق”، وبوابةً تُفضي إلى قلب آسيا والشرق الأوسط معًا. وطهران، في الحسابات الصينية، ليست مجرد شريكٍ نفطي، بل ورقة توازن في وجه الهيمنة الأمريكية على الممرات الدولية وأسواق الطاقة.
ولهذا، فإنّ الحديث عن “وحدة رؤية” بين واشنطن وبكين تجاه إيران ليس سوى تبسيطٍ مُخلّ لعالمٍ بات أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في بيانات المجاملة السياسية.
نعم، قد تلتقي الدولتان عند بعض العناوين الكبرى؛ كرفض الانتشار النووي أو الدعوة إلى خفض التوتر الإقليمي، غير أنّ التشابه في العنوان لا يعني تطابقًا في الجوهر، فبين من يريد إخضاع إيران بالعقوبات والحصار والضغط، ومن يريد احتواءها عبر الاقتصاد والتجارة والانخراط الهادئ، تتكشف هوّةٌ كاملة في تعريف السياسة نفسها.
الولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى النفوذ بوصفه امتدادًا للقوة العسكرية، فيما ترى الصين أنّ أعظم أشكال السيطرة هي تلك التي تمر عبر الموانئ، والاستثمارات، وخطوط الطاقة، وسلاسل التجارة. فواشنطن تُحاصر الجغرافيا بالأساطيل، بينما تُحاصرها بكين بالعقود والأسواق والبنى التحتية.
ومن هنا، فإنّ الخطأ الأمريكي لا يتمثل فقط في سوء تقدير الموقف الصيني، بل في سوء فهم طبيعة التحول التاريخي الجاري في بنية النظام الدولي. فالولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع العالم بوصفه هرمًا سياسيًا تقف هي على قمته، بينما تعمل الصين — بصبر الحضارات القديمة — على تحويل ذلك الهرم إلى شبكةٍ متعددة المراكز، لا يكون القرار فيها حكرًا على قوةٍ واحدة.
ولعلّ أكثر ما يُربك العقل الأمريكي أنّ بكين لا تُدير خصوماتها بالطريقة الغربية ذاتها؛ فهي لا ترفع صوتها عاليًا، ولا تُكثر من الشعارات، ولا تُعلن القطيعة النهائية مع أحد. إنها تُجيد فنّ الغموض الاستراتيجي؛ تقول نصف الجملة، وتترك للنصف الآخر أن يُفهم من حركة التجارة، ومن خرائط الموانئ، ومن تدفق النفط، ومن صمتها المدروس في اللحظات الحرجة.
ولهذا، فإنّ من يظن أنّ الصين ستتحول إلى شريكٍ كامل في مشروع العزل الأمريكي لإيران، إنما يقرأ الشرق بعينٍ غربيةٍ متعجلة، لا تُدرك أنّ الأمم العريقة لا تُدار بردود الفعل، بل بتراكم المصالح، وأنّ بكين التي تُصافح واشنطن في العلن، قد تكون في الوقت ذاته ترسم خرائط عالمٍ لا تعود فيه أمريكا المركز الوحيد للكون السياسي.
لقد تغيّر العالم فعلًا، لكنّ بعض العقول في واشنطن لم تلاحظ ذلك بعد.