🛑فرجال... news
د. محمد الشافعي
26/6/2026
ليست الخطورة في وثيقة التفاهم الأمريكية – الإيرانية أنها رسمت ملامح مرحلةٍ جديدة، بل إنها كشفت، من حيث قصدت أو لم تقصد، حجم الفراغ العربي في معادلة صناعة القرار. فما كُتب بين واشنطن وطهران لم يكن مجرد تفاهمٍ ثنائي، بل كان مرآةً عاكسةً لموازين القوة، ومقياسًا دقيقًا لمواضع الفعل والانفعال في الإقليم.
وحين تُكتب خرائط المنطقة بأقلام الآخرين، ويُعاد ترتيب أولوياتها على موائد لا يجلس إليها العرب، فإن السؤال لا يعود: ماذا اتُّفق عليه؟ بل يصبح: أين كان العرب حين صيغ الاتفاق؟
لقد كانت الأمة العربية، في مراحل من تاريخها، رقمًا لا يُتجاوز، وشريكًا لا يُستغنى عنه، تُستطلع مواقفها قبل أن تُرسم الخرائط، ويُحسب حسابها قبل أن تُعقد الصفقات. أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفًا؛ إذ لم يعد العرب شركاء في صياغة التفاهمات، بل شركاء في دفع أثمانها، ولم يعودوا يصوغون المعادلات، بل يتلقون نتائجها.
إن السياسة لا تعترف بالفراغ؛ فإذا غاب صاحب المصلحة، حضر من يتحدث باسمه، وإذا خلا المقعد، جلس عليه غير أهله، وإذا انكفأ الفاعل، تمدد البديل. وهكذا، لم تترك الساحة العربية فارغة إلا لتملأها القوى الإقليمية والدولية، تفاوض عن المنطقة، وتتفاوض عليها، ثم تترك لأهلها مهمة التكيف مع ما أُبرم دونهم.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن معظم القضايا التي تناولتها التفاهمات تدور رحاها فوق الأرض العربية أو على تخومها، وتمس أمنها واستقرارها واقتصادها ومستقبل أجيالها، بينما ظل الصوت العربي خافتًا، والحضور العربي باهتًا، والدور العربي مؤجلًا.
إن الأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات، بل بما تمتلك من قدرة على تحويل تلك الثروات إلى نفوذ، ولا بما لديها من إمكانات، بل بما تحسن توظيفه من تلك الإمكانات. والعرب، وهم أصحاب الموقع، وموطن الثروة، ومركز الجغرافيا، لا يزالون يملكون عناصر القوة، لكن القوة التي لا تُترجم إلى إرادة، تتحول إلى رصيدٍ معطل، وإمكانٍ مؤجل، وفرصةٍ مهدرة.
إن ما تكشفه هذه الوثيقة ليس انتصار طرف على آخر، وإنما تراجع حضور عربي كان ينبغي أن يكون حاضرًا في كل معادلة تمس أمنه ومصالحه. فالسيادة لا تُصان بالشعارات، والمكانة لا تُحفظ بالذكريات، والدور لا يرثه الأبناء عن الآباء، بل يُنتزع انتزاعًا بحسن الرؤية، ووحدة الإرادة، ووضوح المقصد.
لقد آن للعرب أن ينتقلوا من سياسة ردود الأفعال إلى صناعة الأفعال، ومن متابعة الأحداث إلى صناعة الحدث، ومن انتظار التفاهمات إلى المشاركة في صياغتها؛ لأن الأمم التي لا تكتب مستقبلها، يكتبه الآخرون عنها، والدول التي لا تصنع قرارها، تصبح هي نفسها موضوعًا لقرارات غيرها.
ولعل أبلغ ما يختصر المشهد كله أن نقول:
انتقل العرب من شريكٍ في صياغة التفاهمات، إلى شريكٍ في دفع الأثمان؛ ومن صانعٍ للمشهد، إلى شاهدٍ عليه؛ ومن رسمِ المسارات، إلى السير في مساراتٍ رسمها الآخرون.
فالتاريخ لا يرحم الغائبين، والسياسة لا تنتظر المترددين، والأمم لا تحفظ مكانها إلا إذا جلست إلى الطاولة صانعةً للقرار، لا واقفةً على بابها تنتظر ما يُتلى عليها من قرارات.