🛑فرجال... news
د. عمران الكركوشي استاذ الإعلام والعلاقات الدولية
قراءة في ديناميكيات السياسة الخارجية الأمريكية الحالية وآليات التكيف الوطني. في ضوء زيارة دولة رئيس مجلس الوزراء المحترم الى واشنطن اعداد: محلل الشؤون الدولية (فريق ثقة الامة) مقدمة تشهد البيئة الدولية المعاصرة إعادة صياغة جذرية للمحددات التي تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في ظل صعود نهج الإدارة الأمريكية الحالية (إدارة ترامب) القائم على الانكفاء الاستراتيجي المشروط وتغليب النموذج البراغماتي النفعي. إن استقراء التقارير الصادرة عن مراكز الفكر الدولية - يكشف عن تحول عميق في تعامل واشنطن مع حلفائها التقليديين في أوروبا، وهو تحول لا يقف عند حدود قارة دون غيرها، بل يمثل (عقيدة سياسية عامة) تُلقي بظلالها المباشرة على ساحات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها جمهورية العراق. أولاً: ملامح السياسة الأمريكية المعاصرة (النموذج الأوروبي كمرتكز تحليلي) من خلال تفكيك الخطاب والتوجه الأمريكي تجاه الشركاء الأوروبيين، تبرز أربعة محاور رئيسية تشكل جوهر العقيدة السياسية الأمريكية الحالية: أ- تغليب المقاربة التجارية: يظهر بوضوح في مناطق مثل البلقان والبوسنة والهرسك، حيث باتت واشنطن تقدم المصالح الاقتصادية والتجارية المباشرة على حساب الجهود التقليدية لدعم السلام والاستقرار المؤسسي المستدام. ب- سلاح الإكراه الاقتصادي: تتبنى واشنطن استراتيجيات قائمة على الضغط المالي والاقتصادي لفرض إرادتها السياسية، مما يضطر القوى الدولية لابتكار آليات صد وتخفيف للرد على هذه الضغوط الاقتصادية الناشئة عن تقلبات القرار في البيت الأبيض. ج- الدفع نحو الاعتماد الدفاعي الذاتي: تواجه أوروبا اليوم ضرورة ملحة لبناء قدرات ردع استراتيجية مستقلة دون الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. ح- تفضيل الصفقات الثنائية وتجاوز الإجماع: يميل صانع القرار الأمريكي إلى تفكيك الكتل الموحدة والتعامل عبر صفقات ثنائية قصيرة الأجل تحقق مكاسب فورية، بدلاً من الالتزام بأطر العمل متعددة الأطراف. ثانياً: إسقاط المقاربة الأمريكية على الواقع العراقي إن العقيدة التي تحكم علاقة واشنطن بروكسل وبرلين هي ذاتها التي تحدد مسار علاقتها ببغداد، ولكن مع أرجحية تأثر العراق نظراً لهشاشة وضعه الجيوسياسي: 1. النفط والطاقة مقابل الاستقرار المؤسسي: يُتوقع أن تنحصر الرؤية الأمريكية للعراق في زاوية ضيقة تركز على تأمين تدفقات الطاقة، وحماية الاستثمارات النفطية للشركات الكبرى، وضمان عدم تهديد الممرات المائية والتجارية. بالمقابل، يتراجع الاهتمام الأمريكي بدعم بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية أو تقديم ضمانات أمنية طويلة الأجل. 2. الضغط عبر النظام المالي البنكي: يمثل الإكراه الاقتصادي الأمريكي المطبق في أوروبا أداة شديدة الحساسية في العراق، حيث يُتوقع استمرار استخدام القيود على تدفقات الدولار والبنك المركزي العراقي كأداة ضغط سياسي مباشر لتوجيه المواقف الخارجية لبغداد. 3. الانسحاب التدريجي والعبء الأمني المستقل: على غرار مطالبة أوروبا بالدفاع عن نفسها، تترسخ السياسة الأمريكية في العراق نحو إنهاء المهام العسكرية التقليدية وترك بغداد أمام مسؤولية مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية ومكافحة الإرهاب بمفردها، مع الاحتفاظ بحق التدخل العسكري الخاطف لحماية مصالحها القومية فقط. ثالثاً: التوصيات الاستراتيجية: بناءً على المعطيات التحليلية المذكورة، يمكن الاشارة الى التوصيات الاتية لرسم استراتيجية وطنية قادرة على التكيف وحماية المصالح العراقية العليا وذلك بالتعاون او الشراكة مع الولايات المتحدة الامريكية:
1. الاستقلال المالي وتحصين الاقتصاد الوطني
أ- تنويع الاحتياطيات النقدية: البدء التدريجي والمدروس لتنويع سلة العملات الأجنبية في البنك المركزي العراقي لتقليل الارتباط المطلق بالدولار، مما يمنع استخدام العملة الأمريكية كورقة ضغط سياسي. ب- أتمتة وحوكمة النظام المالي: الإسراع في إجراءات الامتثال المالي الدولية والمنصات الإلكترونية لضمان شفافية التحويلات وحرمان أي أطراف خارجية من ذريعة فرض عقوبات مالية على المؤسسات العراقية.
2. تبني عقيدة (الاعتماد الدفاعي الذاتي)
أ- تطوير القدرات النوعية للقوات المسلحة: التركيز على سد الثغرات في منظومات الدفاع الجوي والاستطلاع الفني وصيانة الأسلحة، بالاعتماد على تنويع مصادر التسليح (شرقاً وغرباً) دون الارتباط الحصري بالدعم اللوجستي الأمريكي. ب- تعزيز الاستخبارات الوقائية: تركيز الجهد الأمني على الجانب الاستخباري والأمن السيبراني كبديل للغطاء العملياتي الأجنبي.
3. دبلوماسية (التوازن المرن) وتعدد الشركاء
أ- توسيع الشراكات الآسيوية والأوروبية: تفعيل الاتفاقيات الاستراتيجية الكبرى مع قوى دولية بديلة (مثل الصين والاتحاد الأوروبي) في مجالات البنية التحتية والاستثمار، لإيجاد توازن يمنع انفراد طرف واحد بالقرار الاقتصادي العراقي. ب- صياغة شروط تفاوضية جديدة: عند التفاوض مع الجانب الأمريكي، يجب الانتقال من منطق (طلب الحماية والمساعدة) إلى منطق (المصالح المشتركة المتبادلة)(عقود الاستثمار مقابل الاستقرار الأمني).
4. تعزيز الجبهة الداخلية كركيزة للأمن القومي
تعتمد السياسة البراغماتية الأمريكية على استغلال التناقضات والخلافات الداخلية لعقد صفقات فئوية. بناءً عليه، فإن ترسيخ السلم الأهلي، وتقوية سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، يمثل حائط الصد الأساسي لمنع أي اختراق أو ضغط خارجي يستهدف القرار السيادي العراقي.