🛑فرجال... news
في شهر مارس من هذا العام، أبصر النور فيلم الرسوم المتحركة القصير المدعوم بالذكاء الاصطناعي ‘‘المنارة"، والمستوحى من عبق منارة ‘‘هوا أو‘‘ الراسخة في أرجاء ‘‘شينغسي‘‘ التابعة لأرخبيل ‘‘شوشان". وبفضل شراع التوزيع متعدد القنوات - عبر صحيفة ‘‘الشعب‘‘ اليومية، والقناة الروسية لشبكة تلفزيون الصين الدولي (CGTN)، والقناة الصينية العربية، والعديد من منصات التواصل الاجتماعي العابرة للحدود - أبحر الفيلم بجمهوره العالمي نحو أعماق الهوية الثقافية الفريدة لجزر بحر الصين الشرقي، عارضاً ملامح تنميتها المتجددة، ليكون بمثابة جسر ثقافي حيوي ومبهر يربط الصين بأقاصي الأرض.
تنتصب منارة ‘‘هوا أو‘‘ - الملهمة لهذا العمل الفني - شامخة في بلدة ‘‘هوا أو‘‘ بمحافظة ‘‘شينغسي". وقد شُيدت هذه المنارة وبدأت خدمتها في عام 1870، وحظيت بلقب ‘‘منارة الشرق الأقصى الأولى"، لتغدو شرياناً ملاحياً ومرشداً هادياً في المسار البحري الممتد من مصب نهر اليانغتسي وصولاً إلى المحيط الهادئ.
صُممت المنارة تحت إشراف المهندس البريطاني ديفيد مار هاندرسون، لتكون شاهداً حياً على التبادلات البحرية المعاصرة بين الصين والعالم. وفي عام 1997، كُلِّل تاريخها بالإدراج في القائمة العالمية للمنارات التاريخية، ثم صُنفت في عام 2001 كإرث ثقافي وطني يخضع للحماية على مستوى الدولة.
وحتى يومنا هذا، ما زالت المنارة تواصل أداء رسالتها في إرشاد السفن وسط البحر. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان، كانت ترقب ممرات الشحن بعين ساهرة، بينما توارثت أجيال الحراس البقاء في تلك الجزيرة النائية، يغذون بروحهم قيم العطاء والمسؤولية، لتصبح تضحياتهم النواة الصلبة للثقافة البحرية المحلية.
وانطلاقاً من المبادرة الثقافية لأرخبيل ‘‘شوشان‘‘ والموسومة بـ"عودة الأرشيف المغترب إلى الوطن"، استضافت محافظة ‘‘شينغسي‘‘ في نوفمبر من عام 2025 حدثاً استثنائياً بعنوان: ‘‘عودة الأرشيف.. رحلة الإياب لمخطوطات تصميم منارة هوا أو للمهندس ديفيد مار هاندرسون"، لتكتمل بذلك حلقة الحوار الحضاري الممتد عبر أكثر من قرن ونصف من الزمان.
حيث تجشمت حفيدة المهندس عناء السفر من المملكة المتحدة إلى جزيرة ‘‘هوا أو"، لتتبرع - بلا مقابل - بنسخ من المخطوطات الأصلية الثمينة لتصميم المنارة التي توارثتها عائلتها جيلاً بعد جيل. ولقد وفرت هذه الوثائق التاريخية سجلاً وافياً لتقنيات بناء المنارة، لتسد فجوة أرشيفية في تاريخ البحار والملاحة بالمنطقة، وتغدو نموذجاً ساطعاً للتبادل والتثاقف الحضاري البحري في ظلال مبادرة ‘‘الحزام والطريق".
إذا كان الإرث التاريخي التليد قد وضع حجر الأساس، فإن السياحة الثقافية الحالمة قد نفخت روح التجدد والبعث في أوصال الجزيرة. فبناءً على موقعها التنموي الفريد بوصفها ‘‘جزيرة الحب"، عمدت بلدة ‘‘هوا أو‘‘ إلى مزج ثقافة المنارة العريقة بلمسات رومانسية حالمة.
وافتتحت تباعاً ثمانية معالم متفردة، من بينها قاعة ‘‘القرين المثالي‘‘ لعقد القران، والواحة الخضراء التي تجمع المنارة بالمرفأ، وسلسلة متاحف الحب، لترسم لوحة خلابة لجزيرة يغمرها الحب، وتتفتح فيها الزهور على مدار ثلاثة فصول، ويكسوها الخضار أينما تولي وجهك.
وبوصفها أول مقر لتسجيل وتوثيق الزواج في الهواء الطلق على مستوى جزر ‘‘تشجيانغ"، ابتكرت ‘‘هوا أو‘‘ نموذجاً رائداً يدمج بين ‘‘توثيق الزواج والسياحة الثقافية للجزيرة"، مفسحة المجال للمحبين من كافة أرجاء الصين لتخليد عهودهم هناك.
وخلال احتفالات العشرين من مايو، ‘‘عيد الحب الصيني‘‘ لهذا العام، توافد 67 ثنائياً من مختلف أنحاء البلاد إلى الجزيرة، حيث أقاموا ثلاث حفلات زفاف جماعية بأساليب صينية وغربية، تحت رداء سماء لازوردية وبحر أزرق رقراق، وتحت أنظار المنارة التي يربو عمرها على قرن من الزمان، مما ارتقى بالصيت المحلي والدولي لـ"جزيرة الحب‘‘ إلى آفاق غير مسبوقة.
دأبت بلدة ‘‘هوا أو‘‘ في كل عام على إحياء محافل سنوية بهيجة، كحفلات الزفاف الجماعية في العشرين من مايو، والاحتفالات الرومانسية بعيد ‘‘تشيشي‘‘ (عيد الحب الصيني التقليدي)، مما يستقطب أفواجاً من العشاق والزائرين من شتى بقاع البلاد، يشدون الرحال إليها لالتقاط صور زفافهم المخلدة، وقضاء عطلاتهم بين أحضان هذه الجزيرة الحالمة.
واستثماراً لهذا الرواج الثقافي والسياحي، سارعت البلدة إلى تحديث بنيتها الاستثمارية، وبثت الروح في شرايين اقتصادها ‘‘العذب". فتحولت دور الضيافة المتناثرة إلى مجمعات فندقية راقية، وأينعت في أرجائها مشروعات مبتكرة مثل مقهى ‘‘شاي وقهوة المنارة‘‘ (Lighthouse Tea & Coffee)، وفضاء ‘‘شي يو‘‘ للتناغم الطبيعي (Xiyu Nature Concept Space).
وانطلاقاً من مواقع التصوير الفوتوغرافي المتخصصة للمقبلين على الزواج، وما تزخر به البيئة المحلية من منتجات ثقافية وإبداعية، شيدت ‘‘هوا أو‘‘ منظومة متكاملة تجمع تحت مظلتها خدمات توثيق عقود الزواج، وإقامة مراسم الزفاف، وجلسات التصوير السياحي، والإقامات الفندقية الفاخرة، والتصاميم الإبداعية.
وبهذه الاستراتيجية الوثابة، انتقلت السياحة في الجزيرة من مجرد جولات عابرة لمشاهدة المعالم إلى نمط سياحي غامر يربط الزائر بأدق تفاصيل التجربة ويأسر وجدانه.
إن تمكين الثقافة للصناعة، وإفضاء الصناعة إلى نماء المعايش، وتضافر إرث المنارة العتيق مع الاقتصاد الرومانسي في مسار ثنائي الاتجاه، قد شق طريقاً متفرداً لبلورة الرخاء المشترك في ربوع هذه الجزيرة.
فبحلول عام 2025، شهدت الجزيرة وفود 331 ثنائياً ينتمون إلى 29 مقاطعة صينية لتوثيق رباط زواجهم المقدس، مما دفع بالقيمة الإنتاجية للسياحة لتتجاوز عتبة 60 مليون يوان بشكل مباشر.
وعلى مدار العام، استقبلت البلدة قرابة 68,600 زائر من داخل البلاد وخارجها، لتبلغ القيمة الإجمالية للناتج السياحي ما يربو على 138.05 مليون يوان.
هذا التوسع المطرد في رقعة الصناعات الثقافية والسياحية غدا بمثابة نداء واعد حفز العقول الشابة على العودة إلى ديارهم وتأسيس مشاريعهم الخاصة، في حين أسهم التنوع الاستثماري في قطاعات الضيافة، والمنتجات الثقافية الإبداعية، والخدمات المرتبطة بالجزيرة في خلق مسارات جديدة لزيادة دخل السكان المحليين.
كما قدمت الموارد الاقتصادية الجماعية للقرى نمواً راسخاً، مفسحة المجال للأهالي ليقاسموا الجزيرة ثمار نمائها ويزدهروا بازدهارها.
بين منارة تليدة يربو عمرها على قرن من الزمان ترقب الأفق البحري اللامتناهي، وروح متوارثة من التفاني حملها حراس المنارة جيلاً بعد جيل، وبين مخطوطات تصميم تعبر المحيطات عائدة إلى مهدها لتكمل فصول الحوار الحميم بين الحضارة الصينية والحضارات العالمية، وصولاً إلى بزوغ هوية سياحية رومانسية فريدة واقتصاد عذب يعزز الرخاء المشترك، ترسم جزيرة ‘‘هوا أو‘‘ ملامح تنميتها المبتكرة مستلهمة من بحرها الكنوز، وحاملة مشعل تراثها الثقافي العريق.
إنها جزيرة صغيرة في أحضان بحر الصين الشرقي، تغني أهلها بسحر ثقافتها وسياحتها، وتحمل في سرائرها ذاكرة أكثر من قرن من التبادل البحري بين الصين والعالم، بينما تموج اليوم بغيض من الحيوية المعاصرة لنهضة الريف وازدهاره المشترك.