🛑فرجال... news
من راهن على القوة قد يكتشف ان للقدر حسابات اخرى
ليس كل من امتلك المال امتلك القرار
وليس كل من تحالف مع القوى الكبرى ضمن ان تكون النتائج كما يشتهي
فالتاريخ يعلمنا ان المبالغة في الثقة بالقوة قد تتحول الى نقطة ضعف
وان من يبني سياساته على اضعاف الاخرين قد يجد نفسه يوما امام نتائج لم تكن في حساباته
ومن هنا يبرز المثل القرآني العظيم
﴿ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله﴾ ليذكرنا بان المكر مهما بدا محكما قد يرتد على صاحبه وان تدبير البشر يبقى محدودا امام مشيئة الله سبحانه وتعالى
لقد انفقت السعودية مليارات الدولارات في صفقات وتسويات استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية ..
وفي ظل التصعيد الاقليمي والحرب على ايران برزت تساؤلات سياسية حول حدود هذه التحالفات وكلفتها الحقيقية ومدى انعكاسها على امن المنطقة واستقرارها
فاذا كانت الغاية من بعض السياسات الاقليمية هي تضييق الخناق على الجمهورية الاسلامية الايرانية واضعاف اقتصادها واستهداف قدراتها وعزلها عن محيطها فان السؤال الجوهري يبقى هل تستطيع الاموال والتحالفات وحدها ان تصنع النهايات التي يريدها اصحابها؟ وهل يكفي امتلاك ادوات الضغط لضمان اخضاع الدول التي تواجهها؟
ان التجربة تثبت ان الحروب لا تسير دائما وفق الحسابات المسبقة وان العقوبات والضغوط قد تلحق اضرارا بالخصم لكنها قد تفتح في المقابل ابوابا جديدة للمواجهة وتفرض تكاليف على اطراف اخرى وتكشف حدود النفوذ مهما بدا واسعا
وهنا تتجلى المفارقة التي تختصرها عبارة ‘‘انقلب السحر على الساحر‘‘ فالرياض التي راهنت على الضغوط الامريكية ودفعت الاموال في سبيل تضييق الخناق على الجمهورية الاسلامية الايرانية وعزلها اقتصاديا والسعي الى اغلاق المطارات بوجه الطيران الايراني تجد نفسها امام مشهد معاكس لما ارادت تحقيقه اذ باتت مطاراتها عرضة للتعطيل والتأثر بتداعيات التصعيد الاقليمي فيما تواجه مصالحها النفطية وخطوط نقل الطاقة مخاطر وخسائر كبيرة
فمن اراد ان يغلق الابواب في وجه الاخر قد يجد الابواب نفسها موصدة امامه ومن راهن على استنزاف اقتصاد ايران قد يكتشف ان كلفة التصعيد لا تقف عند حدود خصمه وان النار التي ساهم في اشعالها قد تمتد الى مصالحه الحيوية
وهكذا تتجسد حكمة الايام في قول الله تعالى ﴿ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله﴾ فليست الاموال وحدها من تصنع النهايات ولا التحالفات وحدها من تضمن النتائج بل تبقى ارادة الله فوق حسابات البشر ويبقى الدرس الاهم ان من كان مع الله كان الله معه وان من حفر حفرة لاخيه قد يجد نفسه واقفا على حافتها
ولعل ما شهدته الساحة الأمريكية في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة يشكل أحد أبرز الشواهد على هذه الحقيقة؛ إذ تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري هزيمة انتخابية كبيرة، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في تحول سياسي يعكس حجم التحديات التي باتت تواجه إدارته في الداخل الأمريكي.
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن فصل هذه الهزيمة عن التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب الأمريكية الإيرانية، وعن كلفة السياسات الخارجية التي راهنت إدارة ترامب على فرضها بالقوة والضغط؟
فالمعطيات تشير إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتداعيات الحرب مع إيران كانت من بين العوامل التي أثرت في مزاج الناخب الأمريكي، وهو ما يجعل نتائج الانتخابات أكثر من مجرد خسارة حزبية عابرة، بل رسالة سياسية بشأن حدود قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة الصراعات الخارجية دون أن تتحمل كلفتها داخليا.
ومن هنا يبرز المثل القرآني العظيم: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾، فالمكر مهما بدا محكما، والتدبير مهما امتلك من أدوات القوة، قد يرتد على أصحابه عندما تتجاوز النتائج حساباتهم وتتحول أدوات الضغط إلى مصادر استنزاف
وفي المقابل فان صمود ايران في مواجهة الضغوط لا يمكن اختزاله في حسابات الاقتصاد وحدها فالدول لا تقاس فقط بحجم ما تملكه من موارد بل بقدرتها على التكيف وادارة الازمات والحفاظ على تماسكها الداخلي وتوظيف علاقاتها الاقليمية والدولية ومن هنا فان الرهان على انهيار دولة لمجرد تعرضها للعقوبات قد يكون قراءة ناقصة لطبيعة الصراعات الحديثة
اما على المستوى العربي فان المرحلة تفرض مراجعة جادة لسياسات الارتهان للخارج وللتصور القائل بان التقارب مع القوى الكبرى كفيل وحده بتوفير الامن والحماية فالامن الحقيقي لا يصنع بالصفقات وحدها بل برؤية مستقلة ومصالح متوازنة وعلاقات اقليمية تقلل احتمالات الحرب وتحفظ للشعوب حقها في الاستقرار والكرامة
وليس المطلوب ان تتحول الخلافات السياسية الى شماتة بالشعوب او ان يدفع المدنيون ثمن صراعات لا يملكون قرارها بل ان تكون الاحداث درسا في ان المصالح لا تحمى بالعداء الدائم وان استنزاف الاخرين لا يضمن النجاة من تداعيات الازمات
اما العبرة الاكبر فهي ‘‘ان من كان مع الله كان الله معه‘‘ وان النصر لا يقاس دائما بما تحققه القوة في لحظة عابرة بل بما يثبته الزمن من قدرة على الصمود والثبات وتجاوز المحن فكم من مشروع بدا قويا ثم تعثرت حساباته وكم من طرف ظن ان خصمه قد انتهى فاذا به يواجه واقعا مختلفا تماما
وهكذا يبقى قول الله تعالى ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ حاضرا في الوجدان باعتباره تذكيرا بان تدبير الانسان ليس مطلقا وان العاقبة لا تحسمها الاموال وحدها ولا تحددها التحالفات وحدها
فمن حفر حفرة لاخيه قد يجد نفسه على حافتها ومن يظن ان الطريق الى امنه يمر عبر تدمير امن الاخرين قد يكتشف ان استقرار المنطقة وحدة لا تتجزأ
فالتاريخ لا يمنح صكوك النصر لمن يملك المال والسلاح فحسب بل يكشف في نهاية المطاف حدود القوة وكلفة الغرور وحقيقة ‘‘ان المكر السيئ لا يحيق الا بأهله"