🛑 فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
سد الموصل أكبر سد في العراق يقف اليوم على حافة عطش غير مسبوق وكأن البحيرة التي كانت تعانق الأفق قد انسحبت لتكشف جراح الأرض اليابسة حيث وبعد الانخفاض الكبير في منسوب مياه سد الموصل خلال الأسابيع الماضية ادى إلى ظهور أطلال مدينة زمار القديمة التي غمرتها المياه منذ إنشائه ومع انحسار البحيرة برزت معالم المنازل المدارس المسجد القديم وحتى المقابر ما أثار مشاعر متباينة لدى السكان بين الحنين لماضيهم والقلق من شح المياه.فمنذ افتتاحه في عام 1986 ظل السد رمزاً للأمان المائي ومخزناً لحياة ملايين العراقيين. لكن ما يحدث اليوم يشير إلى أزمة متشابكة الجذور حيث تلتقي السياسة بالمناخ وسوء الإدارة بالتحكم الخارجي في منابع الأنهار.الماء الذي يغذي بحيرة السد يأتي من نهر دجلة ذلك النهر الذي يقطع الحدود من تركيا حاملاً حياة وخصباً. لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً حاداً في كمية ما يصل إلى العراق بعد أن أتمت تركيا بناء مشاريع ضخمة على النهر أبرزها سد إليسو الذي احتجز كميات هائلة من المياه لملء خزانه وأدى إلى خفض حصة العراق إلى أقل من النصف في بعض المواسم. هذه السياسة المائية التي تتبعها دول المنبع في ظل غياب اتفاقيات ملزِمة تضمن للعراق حصته العادلة جعلت تدفق دجلة إلى سد الموصل شحيحاً كأنفاس شيخ مسن.لكن الأزمة ليست فقط على ضفاف الحدود فداخل العراق تتسرب المياه من بين أصابع سوء الإدارة. ما زالت أساليب الري التقليدية تستهلك أكثر مما ينبغي وشبكات نقل المياه مهترئة والإطلاقات من السدود الأخرى لا تراعي دوماً موسم الشح وكأننا نعيش زمن الوفرة ونحن في قلب القحط والجفاف هذه العوامل الداخلية جعلت من كل قطرة تضيع خسارة مضاعفة.النتيجة كانت انحساراً كبيراً في منسوب بحيرة سد الموصل حتى ظهرت من تحت سطحها معالم كانت غائبة منذ أربعة عقود مدرسة غمرتها المياه يوم امتلأ السد أطلال قرى هجرتها العائلات حين جاءت البحيرة واليوم تعود للظهور لكن ليس في موسم الفرح بل في زمن الظمأ. ومع هذا الانحسار تتأثر الزراعة التي تعتمد على مياه السد لري آلاف الهكتارات وتتراجع إمدادات مياه الشرب لمدن وقرى بأكملها وينخفض إنتاج الكهرباء من المحطة الكهرومائية التي تدور توربيناتها بقوة المياه.الأزمة ليست مشهداً بيئياً فحسب بل هي تحذير من مستقبل مائي قاتم إذا استمرت الظروف على ما هي عليه. فالعراق مهدد بأن يواجه عطشاً حاداً بحلول العقد القادم ما لم تُتخذ خطوات حقيقية تبدأ من التفاوض الجاد مع تركيا وسوريا وإيران على اتفاقيات واضحة لتقاسم المياه مروراً بإصلاح منظومة إدارة الموارد المائية وانتهاءاً بتغيير وعي المجتمع نحو ترشيد الاستهلاك وحماية ما تبقى من الموارد.سد الموصل اليوم مرآة لأزمة أكبر من مجرد جفاف بحيرة إنه مرآة لعلاقة العراق المضطربة مع أنهاره ولتراكم الإهمال السياسي والإداري وللتغيرات المناخية التي تطرق الأبواب بلا استئذان. وإذا لم تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإصلاح عميق فقد يأتي يوم تُروى فيه قصة دجلة كسطر من التاريخ لا كنبع من الحياة.مشكلة جفاف سد الموصل لا يمكن أن تكون آنية أو شكلية، لأنها أزمة معقدة تتشابك فيها السياسة بالمناخ وتتداخل فيها مسؤولية الداخل مع ضغوط الخارج أي خطة إنقاذ حقيقية يجب أن تتحرك على ثلاثة مسارات متوازية..أول هذه المسارات هو (المسار الدبلوماسي والسياسي).. على العراق أن يدخل في مفاوضات مائية جادة مع تركيا، قائمة على أساس الاتفاقيات الدولية التي تضمن حصصًا عادلة لدول المصب. يمكن الاستعانة بوساطة دولية أو أممية وربط الملفات الاقتصادية والتجارية بين البلدين بملف المياه للضغط نحو اتفاق مُلزم.من المهم أيضاً إنشاء لجان فنية مشتركة لمراقبة تدفق المياه وقياس الكميات بشكل شفاف، لتجنب أي خرق أو تلاعب.المسار الثاني (هو الإصلاح الداخلي)...اي ما يُفقد من مياه داخل العراق بسبب الهدر وسوء الإدارة يكاد يعادل ما يُحجب من الخارج. يجب تحديث منظومات الري والتحول إلى تقنيات موفرة مثل الري بالتنقيط والرش وإعادة تأهيل قنوات نقل المياه لمنع التسرب وخزن المياه في سدود أو خزانات أصغر خلال مواسم الوفرة. كما أن تنظيم الإطلاقات المائية من السدود يجب أن يخضع لخطط دقيقة تراعي التوازن بين حاجة الزراعة والشرب وحالات الطوارئ.أما المسار الثالث (فهو المسار البيئي والاستراتيجي).. ينبغي العمل على تنويع مصادر المياه من خلال تحلية المياه في المناطق القريبة من الخليج أو شط العرب واستثمار المياه الجوفية بشكل علمي يمنع استنزافها وجمع مياه الأمطار والسيول وتخزينها بدل تركها تهدر في الصحراء.كما أن إعادة تشجير المناطق المحيطة بالأحواض المائية تساعد على تقليل التبخر وتحسين مناخ المنطقة.هذه الحلول لا تنجح إلا إذا رافقتها إرادة سياسية قوية ووعي مجتمعي يغير نظرة الناس للمياه من كونها موردًا بلا نهاية إلى ثروة وطنية مهددة. العراق الذي عرف كيف يشيد السد قبل أربعين عاماً اليس قادراً على أن يحميه اليوم إذا أدرك أن معركة الماء هي معركة وجود