🛑 فرجال... news
لطالما عرّف الفلاسفة السياسة بأنها “فن الممكن”، وهو تعريف يحمل الكثير من الواقعية، لكنه في الوقت ذاته يحتمل الكثير من التبرير. فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد مناورات لكسب النفوذ أو صناعة التوازنات، بل يجب أن تكون ، كما نأمل ( فن خدمة الإنسان ). لأن السياسة، حين تنفصل عن الإنسان، تتحول إلى سلعة، يتاجر بها البعض تحت قبة المصالح، على حساب من يفترض أنهم جوهر كل مشروع سياسي ( الشعب ) .
من هنا، فإن كل من يتصدى للعمل السياسي لا بد أن يُسائل نفسه: هل أنا أمارس السياسة لأصنع فارقًا في حياة الناس، أم لأصنع لنفسي مجدًا ومكاسب؟الفرق بين الاثنين لا يُقاس بالخطب الرنانة ولا الشعارات البراقة، بل يظهر في الأفعال. فهناك من يعمل بصمت وضمير، يضع الصالح العام فوق أهوائه ونوازعه، وهناك من يختبئ خلف “الجعجعة” ويترك الناس دون “طحين”، كما يقول المثل الشعبي.
في أوطاننا المنهكة، لم تعد الشعوب بحاجة إلى المزيد من الوعود، بل إلى رؤية سياسية ناضجة، وقيادات تملك مشروعًا حقيقيًا، ينطلق من هموم الناس لا من مصالح النخب. نحتاج إلى من يرى في السياسة أداة إصلاح لا وسيلة تسلق، من يُدرك أن الكراسي زائلة، ولكن الأثر باقٍ في ذاكرة الشعوب.
السياسي الحقيقي ليس من ينجح في الانتخابات فحسب، بل من ينجح في كسب احترام الناس بعد انتهاء ولايته. هو من يترك خلفه إنجازًا لا خطابات، ومؤسسات لا مصالح، وقيمًا لا شعارات جوفاء.
السياسي الحقيقي يدرك أن الشعب ليس ساذجًا، وإن صمت، فصمته ليس رضا بل ترقّب. وإن خضع، فخضوعه ليس ضعفًا، بل صبر تراكم حتى بلغ حدّ الانفجار.السياسة ليست مجرد فن الممكن، بل هي فن الامتناع عن إيذاء الناس ،، فن التضحية من أجل المصلحة العامة، لا العكس.
في زمن الضجيج السياسي، نحتاج إلى عودة العقول الواعية، إلى من لا يلهثون خلف الكراسي بل يحملون الهم العام بإخلاص. لأن ما ينقصنا ليس الموارد ولا الطاقات، بل النية الصادقة والرؤية الواضحة.
لقد سئم الناس “الجعجعة”، وآن لهم أن يروا “الطحين”. ولعل هذه الكلمة، البسيطة في ظاهرها، تختصر كل ما نحتاج إليه اليوم: صدق الفعل قبل فصاحة القول
السياسة بين فن الممكن وخدمة الإنسان مظفر عبدالمجيد المحمداوي