🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي
الإعلام في جوهره الكلمة قبل أن يكون صورة هو المرآة قبل أن يكون صوتاً ونبض المجتمع قبل أن يتحول إلى شاشة. لكنه في العراق اليوم أصبح مساحة متحركة بين الضوء والظل بين الحقيقة والخيال بين السلام والفتنة. القنوات التي وُجدت لتفتح نافذة للمعرفة تحولت أحياناً إلى جدران تحجب الضوء وساحات صراع تُطلق فيها الكلمات كما يُطلق الرصاص لتصيب النفوس قبل العيون.
أخطر ما يفعله الإعلام ليس الكذب فقط بل زرع الكراهية وتوجيه الغضب نحو الآخرين وتحويل الجار والرفيق إلى عدو دائم في المخيلة.
هنا يظهر التوجه الممنهج لبعض القنوات العراقية التابعة للاحزاب واجندات خارجية.
القنوات السنية تنشر أخباراً مفبركة لتسقيط الشيعة والقنوات الشيعية تفعل الشيء نفسه تجاه السنة الكلمة تتحول إلى سلاح والبرامج الإعلامية إلى ذخيرة ما يجعل الخبر ليس مجرد نقل للواقع بل صناعة واقع مزيف يحاول فرض الخوف والحقد والعداء بين ابناء المجتمع.
تتضاعف خطورة الإعلام حين يمول من أحزاب وأجندات داخلية أو خارجية. التمويل ليس مجرد أموال تُصرف بل قوة خفية توجه الكلمة وتحدد مسارها لتصنع رأياً عاماً مفبركاً وتزرع الفتن في النفوس فيصبح المواطن قطعة شطرنج في لعبة أكبر من إدراكه. هنا يبرز دور وعي المتلقي فقط من يميز الحقيقة من الزيف يستطيع مقاومة التلاعب الإعلامي والحفاظ على سلامة المجتمع.
لكن الحقيقة اليومية لا يمكن للقنوات أن تطمسها العراق مجتمع واحد نسيج متشابك يعيش فيه السني والشيعي جنباً إلى جنب يتقاسمون الفرح والحزن يساعدون بعضهم البعض في المصالح اليومية ويقيمون الروابط عبر الجيرة والمصاهرة هذه الحياة المشتركة هي الحقيقة الصامدة أمام محاولات الإعلام الممول والمنحاز لزرع الفتنة الفرقة.
اليوم المواطن العراقي يعيش مأزقاً مزدوجاً ضحية الأكاذيب والتحريفات وضحية التمويل الخفي الذي يصنع رأياً عاماً مفبركاً يحاول إقناعه بأن الآخر خطر وأن الوحدة مجرد وهم وأن التعاون اليومي استثناء نادر.
هنا تكمن المسؤولية الأخلاقية الكبرى للإعلام فالمصداقية ليست رفاهية بل واجب وسلاح يحمي المجتمع من الانفجار الداخلي. الإعلام الصادق يعيد الثقة بين الناس ويقوي النسيج الاجتماعي ويمنحه زخمه الطبيعي.
الإعلام هو الكلمة والكلمة إما أن تكون حياة أو موت. يمكن للقناة أن تبني وعي المجتمع أو أن تزرع الخوف والعداء.
كل دقيقة بث وكل عنوان يحمل تأثير مباشر على وعي الجمهور وعلى القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف ولكل كلمة صدى في النفوس تصنع إمكانات السلام أو الحرب.
واقعياً الإعلام مساحة حرية مقيدة حرية لأنه قادر على تشكيل الوعي ومقيدة لأنه قد يُستغل من أيدٍ خفية تسعى للسيطرة على النفوس.
التمويل الداخلي والخارجي يضاعف هذه القوة، ويحول الكلمة من مرآة للواقع إلى أداة لصناعة الصراع.
كل عنوان خبر كل فقرة حوار كل صورة تُعرض على الشاشة تصبح رمزًا لما يحدث في النفوس قبل أن يحدث على الأرض.
غير أن الحقيقة اليومية مختلفة عن الانقسام المصطنع الناس يعيشون حياة مشتركة، يتعاونون، يفرحون معاً يتجاوزون الخلافات ويستمر نسيجهم الاجتماعي رغم كل المحاولات لتمزيقه. هذه الحقيقة الصامدة تظهر أن الشعب العراقي واحد وأن أي أجندة داخلية أو خارجية لن تستطيع تفكيك وحدته طالما بقيت الكلمة صادقة ووعي الناس أقوى من الأكاذيب.
في النهاية الحقيقة بسيطة رغم التعقيدات الإعلام إما أن يكون مرآة للواقع أو أداة للفتنة والكلمة إما أن تبني حياة أو تزرع موتاً ووعي المجتمع إما أن يقاوم الأكاذيب ويعيد بناء الثقة، أو يستسلم للزيف ويصبح رهينة للخوف والكراهية. الخيار دائماً موجود هل ستكون الكلمة جسراً يوحد أم جداراً يفرق؟
الإعلام ليس مجرد نقل أخبار بل انعكاس للأخلاق للوعي وللقيم المجتمعية. في كل كلمة تُبث في كل خبر يُنقل في كل صورة تُعرض تكمن القدرة على بناء السلام أو زرع الفتنة. والكلمة الصادقة حين تُستخدم بحكمة قادرة على إعادة الأمل وإعادة الثقة وإعادة الحياة إلى مجتمع تعصف به الأجندات الداخلية والخارجية.