🛑فرجال... news
أحمد محمد باحث وكاتب في الشأن الآسيوي
في عالم اليوم، تتقاطع الثقافات وتتلاقى أكثر من أي وقت مضى عبر وسائل الإعلام والاتصال والسفر، لتصبح معرفة الشعوب ببعضها جسرا من التفاهم والاحترام المتبادل. فالتعاون الثقافي بين الدول لا يقتصر على تبادل الفنون والموسيقى، بل هو وسيلة لبناء الثقة وتعزيز العلاقات الإنسانية بين المجتمعات. ومن بين الدول التي تستحق الاهتمام في هذا الإطار، تبرز كوريا بثقافتها العريقة التي تمزج بين الأصالة والتجديد، بين روح التاريخ وحداثة الحاضر.
كوريا دولة استطاعت أن تحافظ على هويتها الثقافية رغم التحولات السريعة التي شهدتها خلال العقود الماضية، فجمعت بين التقاليد القديمة والحياة العصرية المتطورة. ومن أبرز مظاهر هذه الثقافة الغنية احتفال تشوسوك أحد أهم الأعياد ، والذي يعكس روح الشكر والوفاء للأسلاف والتقدير لنعمة الحصاد.
يُعد تشوسوك عيد الحصاد الكوري، ويُطلق عليه أيضًا هانغاوي أي منتصف الخريف. يحتفلون به سنويا ، وهو موعد يتزامن مع اكتمال قمر الخريف. وقد صادف تشوسوك السادس من أكتوبر، حيث امتدت العطلة الرسمية لثلاثة أيام تشمل يوم العيد واليومين المحيطين به.
في هذه المناسبة، تشهد البلاد ما يعرف بـ “الهجرة الكبرى للشعب الكوري ، إذ يسافر الملايين من الكوريين من المدن الكبرى إلى بلداتهم الأصلية لزيارة الأهل والأقارب وإحياء ذكرى الأسلاف. ويبدأ اليوم بطقس يعرف باسم تشاريه، حيث تقام مراسم تكريم للأسلاف يتم فيها إعداد مائدة خاصة تضم أنواعا من الأطعمة الموسمية والفواكه والكحول التقليدي، يتم ترتيبها بعناية واحترام. وبعد ذلك، يتوجه أفراد العائلة إلى المقابر وتقديم الدعاء.
تعتبر الأطعمة التقليدية جزءا أساسيا من احتفالات تشوسوك، ومن أبرزها سونغبيون، وهي كعكات أرز على شكل هلال تحشى بالسمسم أو الفاصوليا الحلوة . يشارك جميع أفراد العائلة في إعدادها، مما يعكس روح التعاون والترابط الأسري. كما تقدم خلال العيد أطباق أخرى مثل جيون (فطائر مقلية من السمك أو الخضار) وجاب تشاي (معكرونة زجاجية مقلية بالخضار واللحم)، إلى جانب مجموعة من الأطباق الجانبية المعروفة باسم بانشان.
لا تقتصر أجواء تشوسوك على الطعام والطقوس، بل تمتد إلى الأنشطة الثقافية والتراثية. ففي القرى والمدن، تقام الرقصات الشعبية مثل غانغغانسولا، وهي رقصة دائرية تؤديها النساء تحت ضوء القمر، كما تنظم ألعاب تقليدية مثل شد الحبل وقفز الأرجوحة الخشبية. وتتحول هذه الأيام إلى مهرجان وطني يجمع بين متعة اللقاء العائلي وسحر التراث الشعبي الكوري.
أما من الناحية التاريخية، فتشير بعض الأساطير إلى أن جذور تشوسوك تعود إلى عهد مملكة سيلا قبل أكثر من ألفي عام، عندما أقيمت مسابقة في النسيج بين فريقين من النساء، حيث قدم الفريق الخاسر الطعام للفائزين، ومن هناك نشأت فكرة الاحتفال المشترك والشكر. غير أن باحثين كوريين يرون أن تشوسوك هو امتداد لطقوس زراعية أقدم، ارتبطت بتقديم الشكر للآلهة والأسلاف في نهاية موسم الحصاد، وهو ما جعل هذا العيد رمزًا للامتنان والتجدد في الحياة الكورية.
اليوم، يظل تشوسوك أحد أكثر الأعياد الكورية أهمية ومحبة لدى الشعب الكوري، لأنه يجسد معنى الأسرة والانتماء والعرفان بالجميل. كما يعكس الجانب الإنساني العميق في الثقافة الكورية، الذي يجمع بين احترام الماضي والاحتفاء بالحاضر.
ختاما، لا بد من الإشارة إلى أهمية تعزيز التعاون الثقافي بين العراق وكوريا . فكلا البلدين يمتلكان إرثا حضاريا عريقا وتجارب تاريخية مميزة تستحق التبادل والدراسة. إن فتح آفاق جديدة للتعاون في المجالات الثقافية والتعليمية والفنية يمكن أن يسهم في توطيد العلاقات بين الشعبين، ويخلق جسور تواصل تقوم على الاحترام والمعرفة المتبادلة. فالثقافة تبقى دائما أقوى وسيلة لتقريب الشعوب، وترسيخ الصداقة الحقيقية بين الأمم.