🛑فرجال... news
سامي الجابري...
الأمانة ليست حملًا على الظهر، بل وعيًا على الروح. هي صوت السماء حين يهمس في أعماق الإنسان: ‘‘كن أمينًا على النور الذي أودعته فيك". ولأنّها أعظم من الجبال، أبين أن يحملنها، وحملها الإنسان... فتعثر بين العقل والهوى، بين وعدٍ عظيم وخيانةٍ صامتة.
ضرب الله مثلًا لمن حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفارًا. ليس الذمّ في الجسد الذي ينوء بالحِمل، بل في الروح التي تنوء بالجهل. فالعلم إذا لم يُثمر عملًا، غدا عبئًا على صاحبه، كما الحروف حين تفقد معناها.
وتلك العبرة تتردّد في أمةٍ ورثت القرآن، فأحاطته بالمصاحف والزخارف، ونسيت أن الأمانة ليست في الحفظ، بل في الحضور. ليس في التلاوة، بل في التجلّي. إنما يُحمل الكتاب بالعقل الذي يتدبّر، والقلب الذي يتطهّر، والفعل الذي يصدّق القول.
من تخلّى عن الأمانة، أطفأ في ذاته قبس الخلق الأول، وغادر مقام الإنسان إلى كهف العادة. أما من حملها بحق، فقد صار مرآةً للسماء تمشي على الأرض، يضيء بنوره درب الآخرين، ويستعيد للروح معناها الأول.
فالأمانة ليست فهما عابرًا ، بل محطة تتجمع فيها الطاقات لتنطلق بالبناء ،. بناء النفس وتحمل المسؤولية مع العقل الجمعي مع الدولة والوطن والمجتمع وقبلها مع السماء والرسالة واهل الذكر ، في كينونة نكونها. من فهمها خفَّ حملها، ومن جهلها أثقلته إلى أن يسقط في ظلمة نفسه.
إذن عي ليست تكليفًا عابرًا، بل توازُنًا بين الضوء والظلمة في كيان الإنسان. كلّ من خانها هبط إلى وحل الغفلة، وكلّ من صدقها ارتفع إلى مقامٍ يشبه الملائكة. هي امتحان المعرفة حين تتقاطع مع الشهوة، وميزان العقل حين يخاصم الهوى.
فيا من حُمّلت الكتاب، مع اقرانك في الإنسانية لا تجعل من النور زينةً على اللسان، بل سلوكًا في العتمة. الأمانة لا تُحمل بالأيدي، بل تُسكن في الفكر، وتُصدَّق بالعمل، وتُطهَّر بالصدق مع النفس.
ذلك هو ثقل السماء... أن تكون إنسانًا في عالمٍ نسي معنى الإنسان.