🛑فرجال... news _ د. ناجي الفتلاوي _ ما نعيشه اليوم ليس اضطراباً عابراً ولا خللاً مؤقتاً في منظومة كانت مستقرة، نحن نعيش الفوضى وقد خرجت من كتب الفلسفة لتقيم بيننا؛ في الأسواق، في المدن، في الوعي، وحتى في أعمق مناطق النفس البشرية ، فوضى تشبه الضباب الكثيف الذي لا يُبصر من خلاله إلا انكسار الضوء، لا الضوء نفسه ، لقد رأى نيتشه أن في داخل الإنسان شيئاً من الفوضى ليولد “نجماً راقصاً”، لكن فوضى عصرنا لا تلد نجوما بل نيازكاً تمزّق الخرائط وتحوّل البشر إلى مشاريع قلقٍ مؤجّل، إنها فوضى تستبدل الرقص على الحافة بالرقص على أنقاض القيم ، ولم يكن هيراقليطس(اليوناني الملقب بالفيلسوف المظلم والمولود في القرن السادس قبل الميلاد) بعيداً عن هذا التشخيص حين رأى في التنافر بذرة انسجام، لكن تنافر اليوم لا يصنع جمالاً بل يصنع كسوراً ، إن الأسواق تتوحش، القيم تتبخر، والوعي ينكمش في زوايا لا يصلها ضوء ، حتى زينون الرواقي(الفيلسوف المؤسس للفلسفة الرواقية والمولود في كيتيوم ..قبرص حاليا..والمتوفى في اثينا سنة 262ق.م ) حيث ظنّ أن الفوضى ترتيب خفيّ لم تدركه عقولنا، يبدو اليوم كمن يواسي رجلاً يقف وسط انهيارٍ لا يشبه أي ترتيب، لا ظاهراً ولا باطناً ، ولم يكن كانط مخطئاً حين قال إن الإنسان يرغب بالنظام لكنه يصنع الفوضى دائماً، فما نراه اليوم هو أعلى درجات الفوضى لكن بأدوات غاية في التنظيم ،فالتكنولوجيا تصنع بؤساً رقمياً والسياسة تنتج أشكالاً هندسية من الفشل، والاقتصاد يبتكر تضخماً يلتهم حتى ظلال الفقراء ، ومع ذلك، يبدو أنّ الفلسفة الغربية — رغم كل عمقها — اكتفت بوصف الفوضى ولم تستطع أن تُخضعها، انشغلت بتحليل أثرها، وتأمل جذورها، والبحث عن “ترتيب مخفي” أو “فوضى خلاقة” أو “اضطراب بنّاء ، لكن العالم انحدر نحو هاوية لا تحتاج وصفاً بل تحتاج علاجاً ،وهنا تدخل رؤية أهل البيت عليهم السلام ،رؤية تتجاوز الوصف إلى الهداية ،إن الرؤية الإسلامية كما تجلّت في كلمات أهل البيت عليهم السلام، لا تتعامل مع الفوضى كـ“حالة فكرية” ولا كـ“مفهوم فلسفي”، بل كـ انحراف عن مركز الحكمة الإلهية ، فالفوضى، في منطقهم، ليست ظاهرة كونية عمياء، بل نتيجة لابتعاد الإنسان عن محور التوحيد وعن العدالة وعن القيم التي تحرس الوجود من الانهيار ، يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتّع به غني» هذه ليست جملة اجتماعية؛ إنها تشخيص لأصل الفوضى: حين يُختلّ ميزان العدالة، يولد الاضطراب ويقول: «إنّ الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبّهت» أي أن الفوضى ليست إبداعاً ولا طاقة خلاقة؛ إنها ضباب يعمي البصيرة، ليست مصدراً للنجوم الراقصة كما قال نيتشه، بل مصدراً للفتن التي لا تُرى حقيقتها إلا بعد خراب الوعي ، وفي نهج البلاغة أيضاً: «ألا وإنّ الشيطان قد جمع حزبه، واستجلب خيله ورجله… الفتنة تنطق الآن بلسانها» هنا تصبح الفوضى مشروعاً مقصوداً، لا صدفياً ولا جمالياً ، مشروعاً تصنعه قوى تبحث عن السيطرة، تماماً كما قال لاوتسو (الحكيم الصيني الشهير واحد مؤسسي الفلسفة الطاوية والذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد) لكن الإسلام يكشف أن هذه السيطرة ليست مجرد نزعة بشرية ، بل هي امتداد لمعركة الخير والشر في قلب الإنسان والعالم ، واذا عرجنا الى الفارق الجوهري بين الرؤيتين، فالفلسفة الغربية ترى الفوضى جزء من الإبداع أو عَرَض من أعراض النظام،كما في أقوال بعض الفلاسفة ،ومنهم : (نيتشه يرى فيها شرارة الإبداع، هيراقليطس يراها مبدأ الحركة، دولوز (الفرنسي وابرز مؤسسي ما بعد البنيوية)وغاتاري(الفرنسي واحد فلاسفة ما بعد البنيوية) يرونها مادة خام للفكر، بريغوجين(البلجيكي من أصل روسي والحاصل على نوبل في الكيمياء سنة 1977) يعتبرها مهداً للنظام، يونغ(السويسري مؤسس عام النفس التحليلي ت 1962 ) يعدّها شرطاً للنضج النفسي) كلها رؤى تتكلم عن الفوضى كضرورة أو مرحلة أو طاقة,بينما أهل البيت عليهم السلام يرون الفوضى ليست ضرورة… بل نتيجة لانهيار:القيم ،العدالة،البصيرة،المسؤولية ، الوعي التوحيدي فالفوضى في رؤيتهم ليست أفقاً للإبداع بل علامة مرض في الروح البشرية، تشبه الحُمّى التي لا تعالج الولادة بل تكشف اقتراب الموت. يقول الإمام علي عليه السلام: «لا رأيَ لمن لا يُطاع» أي أن الفوضى تنشأ حين يسقط العقل القيادي، لا حين يتحرر الإنسان، ويقول الإمام الحسين عليه السلام: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي» فهو لم يخرج ليعيد ترتيب الفوضى، بل ليُسقطها عبر إحياء ميزان الحق. والسؤال التنويري في هذا المفصل هو لماذا تنتصر رؤية أهل البيت؟ والجواب ، لأنها رؤية تشريحية وعلاجية، وليست تحليلية فقط ، فالفلاسفة وصفوا الفوضى، أما أهل البيت فطرحوا: سبب الفوضى: الظلم وغياب العدالة. وقود الفوضى: الهوى، الطمع، غياب البصيرة. ضحية الفوضى: الفقراء والمستضعفون. علاج الفوضى: إقامة ميزان الحق، والعدل، والوعي، والتكافل. فالفوضى في منطق الفلسفة الغربية حالة “كونية”، أما في منطق أهل البيت فهي مشكلة أخلاقية وسياسية وإنسانية قابلة للمعالجة، وليست قدراً ولا قانوناً للطبيعة ، في نهاية المطاف ،الفوضى — كما تظهر في العالم اليوم — ليست “نظاماً لم نفك شفرته”، بل خللاً صنعه الإنسان حين فقد هدي السماء ، والاختلاف بين الفلسفتين جوهري: الفكر الغربي يبحث عن معنى للفوضى، أما رؤية أهل البيت فتعطيها سبباً ومعالجة واتجاهاً ، ولهذا، حين تصبح الأرض ورشة صراع لا نهائي، فإن الفلاسفة يقفون أمامها متأملين، بينما يقف أهل البيت داعين إلى إصلاحها ، وبين التأمل والإصلاح تنتصر الرؤية التي تبني الإنسان، لا تلك التي تكتفي بوصف جراحه.
فوضى العالم… بين حكمة أهل البيت (ع) وجدليات الفلسفة الغربية