🛑فرجال... news
د. ثائرة اكرم العكيدي / كاتبة وباحثة
لم تعد المقارنات داخل البلد الواحد مجرد ترفٍ سياسي أو جدلاً عابراً بل أصبحت ضرورة لفهم الفارق بين منطق الدولة ومنطق اللادولة بين الإدارة التي تعرف ماذا تريد وتلك التي تتعثر في كل خطوة وتعيد إنتاج أزماتها عامًا بعد عام.
فحين تتعرض منطقة ما لهجوم يستهدف منشأة استراتيجية مثل محطات الغاز في كورمور ثم تعود الخدمات الأساسية إلى وضعها الطبيعي خلال فترة قصيرة، فإن ذلك يعكس حالة نادرة من الجاهزية والانضباط. فبعد 72 ساعة فقط من استهداف محطات الغاز في محطة كورمور عاد ضخ الكهرباء إلى كامل مدن الإقليم بشكل مستمر ليل ونهار دون انقطاع تقريباً وهو ما يكشف قدرة المؤسسات هناك على تحويل التحديات العاجلة إلى اختبارات تُدار بكفاءة، بدل أن تتحول إلى كوارث طويلة المدى.
في مثل هذه الحالات يتضح أن الأزمة لم تُترك نهبًا للفوضى، بل أُديرت بعقلية تعتمد على التخطيط والاستجابة السريعة عبر منظومة تعرف كيف تحمي مشاريعها وكيف تعيد تشغيلها في الوقت القياسي. وهذا ليس نفياً لوجود المشكلات لكنه تأكيد على أن الإرادة السياسية حين تشتغل لصالح الناس تُثمر نتائج ملموسة.
في المقابل حين يتكرر المشهد ذاته في مناطق أخرى من البلد بلا نهاية ويُصرف على قطاع حيوي مثل الكهرباء مليارات الدولارات دون أي تحسن ملموس تتأكد حقيقة أكثر مرارة: المشكلة ليست في نقص الموارد بل في سوء الإدارة والفساد وترهل المؤسسات وتغول المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.
ومما يزيد الواقع قتامة أن أزمة المؤسسات العراقية الكهرباء ليست سوى رأس جبل الجليد فالصحة تتدهور عاماً بعد عام والتعليم ينهار تحت وطأة الإهمال والمجتمع يُستنزف في دوامة السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية وتجارة المخدرات. إن ما يحدث ليس تراجعاً عابراً بل تعبير عن تراكمات طويلة فُقدت خلالها هيبة الدولة وتشتتت فيها أولوياتها.
وفي ظل هذا المشهد تتحول المجالس التشريعية إلى ساحات يغلب عليها منطق رأس المال. وحين يصل المال إلى مقعد التشريع يصبح القانون وسيلة لاسترداد ما صُرف في الحملات لا أداة لبناء الدولة. إن العلاقة هنا بين السياسة والمال لا تنتج إصلاحاً بل تفتح الباب لدوامة جديدة من الصفقات تنتهي فيها الموازنات إلى خدمة مصالح ضيقة بدل أن تُوجه نحو الصحة والتعليم، والإعمار والبنى التحتية.
وتبقى السلطة التنفيذية بدلاً من أن تكون رأس الدولة أسيرة لتفاهمات معقدة وضغوط متعددة إلى الحد الذي يتقلص فيه دور أعلى المناصب إلى مجرد منصب إداري يتلقى الطلبات ويُنظمها بدل أن يقود مشروع وطني ينهض بالبلاد.
وفي النهاية يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر. فهو يعيش على أرض غنية بالنفط والغاز لكنه لا يملك كهرباء مستقرة. ويعيش في بلد يمتلك العقول والقدرات لكنه لا يحصل على خدمات صحية وتعليمية لائقة.
ويستمع يومياً إلى خطابات الإصلاح بينما لا يرى من الإصلاح سوى المزيد من الانتظار.
إن النموذج الذي تعود فيه الكهرباء خلال أيام قليلة بعد هجوم كبير ليس معجزة بل نتاج إدارة فعالة وإرادة سياسية واضحة ومنظومة تحترم المواطن وتعمل لخدمته.
أما تعثر بقية المحافظات العراق فليس بسبب قلة الموارد بل بسبب غياب الرؤية وتشظي القرار وسيطرة المصالح الخاصة على مؤسسات الدولة.إن الطريق نحو الإصلاح يبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وبناء مؤسسات قوية مستقلة عن تقلبات المصالح وإرساء إدارة تعتمد على الكفاءة لا الولاءات.
وحتى يحدث ذلك ستظل المقارنات تفرض نفسها وستظل الأزمات تتكرر بينما ينتظر المواطن وطنًا يستحقه ودولة تستطيع أن تخاطبه بإنجازاتها لا بوعودها.