🛑فرجال... news
بقلم استاذ الفلسفة التجريدية
ا. عصام الصميدعي..
في عالمٍ تتشابك فيه النظريات وتتنازع فيه الرؤى حول إدارة الدول، تبدو بعض الأمم وكأنها تسير في مسارٍ موازٍ لا يدركه الإنسان البسيط، لأنه يتجاوز ظاهر السياسة إلى البنية العميقة التي تُحرك الشعوب. فالدولة حين تُدار بعقلية جامدة تفقد إرادتها، ويتحوّل شعبها إلى كيانٍ بلا كرامة، فتسقط في بئر العبودية وتصبح أسيرة لقانون الغاب. ومن هنا تتباين النماذج العالمية بين المنظومات البراغماتية المنفتحة على التعددية والشخصية الفردية، والمنظومات البلشفية التي صنعتها قيادة ماركس ولينين، حيث يتحكّم الحزب الواحد بمصير الدولة والدستور تحت ظل المركزية الحديدية.
وفي مقابل هذه النماذج التقليدية، برزت تجربة مختلفة في إيران، تستند إلى رؤية مثالية روحية تستمد شرعيتها من قيم السماء والمثل العليا، عبر مفهوم ولاية الفقيه. هذه الرؤية ترى أن إصلاح الحاكم هو طريق إصلاح الدولة، وأن القيادة الروحية المتمثلة بالمرشد الأعلى تحمل امتداداً تاريخياً وقيمياً يربط الدولة بالعقيدة. ورغم أن هذا الطرح يبدو نظرياً متجرداً عن أساليب الإدارة الحديثة، إلا أن الواقع الإيراني أثبت أنه تحول إلى بنية سياسية متماسكة صاغت هوية الجمهورية الإسلامية.
لقد واجهت إيران منذ قيامها حصاراً وتآمراً وتشويهاً واسعاً، وجُندت ضدها قوى سياسية وإعلامية وعسكرية، من نظام صدام إلى التنظيمات السلفية المتطرفة والأنظمة المتحالفة مع المشروع الصهيوني. ورغم ذلك بقيت ثابتة، تستمد من إرث الإمام الخميني روح المقاومة، ومن ثورة الإمام الحسين مقولة “لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد”، شعاراً يتحول إلى ممارسة سياسية ورؤية عقائدية.
هكذا بقيت إيران تقف على قدميها أمام عالمٍ تتغوّل فيه القوى الكبرى، مقدمةً نموذجاً لأحرار الأرض في الحفاظ على الإرادة والكرامة. فصمودها لم يكن مجرد موقف سياسي، بل تعبيراً عن مشروع روحي وحضاري يرى أن عاقبة الأمور للمتقين، وأن الأمم التي ترفض الخنوع تكتب وجودها في التاريخ بإرادة لا تنكسر.