🛑فرجال... news
"سامي الجابري"
في الأزمنة التي تتراجع فيها القيم أمام المصالح، ويصبح الصراع على المكاسب الصغيرة أشد ضجيجًا من بناء مشروع الدولة، يبدو الحفاظ على أصحاب الرؤية السياسية فعلًا لا يقل أهمية عن حماية الوطن نفسه. فالأمم لا تقوم على كثرة الأصوات، بل على القلة التي تمتلك الوعي والقدرة على قراءة المستقبل، تلك القلة التي إن رحلت لا تعوّضها كل الخطابات.
ولعل من أصعب ما يواجهه اليوم قادة الرأي الذين يتصدرون المشهد السياسي الشيعي هو إدراك قيمة الفكر الذي يمثله رجل التجربة السياسية كالسيد المالكي؛ فالرجل لم يُعرف بقرارٍ انفعالي أو حسابٍ مؤقت، بل بخطٍ استراتيجي حافظ على الدولة حين تخلّى كثيرون عن مسؤولية الدفاع عنها. ليست قيمة المالكي في موقعٍ شغله، بل في منهجٍ وُلد من التجربة قبل السلطة وبقي ثابتًا بعدها، منهج يعرف ما يهدد الدولة وما يحفظ قرار المكوّن.
وإذا كان لقادة الرأي ما يفتخرون به من حضور انتخابي وامتيازات سياسية مستحقة، فإن قيمة هذه المكاسب لا تكتمل إلا حين تصغي إلى العقل الذي يحميها من التحوّل إلى إنجازات عابرة. فالفوز لا يصبح مشروعًا إلا إذا وُضع تحت سقف فكرٍ يحفظه من الاستهلاك، ويمنحه عمقًا يمنع تراجع تأثيره أمام المتغيرات.
الخطر ليس في تنوّع القراءات داخل البيت الواحد، بل في أن يغيب الإنصات إلى الحكمة عندما تتداخل المصالح، فتضيق الخيمة التي تحتضن الجميع، ويستبدل مشروع الدولة بسباقات شخصية لا تبقى طويلًا. فالتاريخ لا يرحم القوى التي تضيّع أصحاب الفكر، ولا يبقي لها من حضورها سوى أسماءٍ مرت دون أثر، فقد أضاعت حكمة قادتها قبل أن تُضيّع نفوذها.
الحفاظ على فكر المالكي ليس تمجيدًا لشخص، بل حفاظًا على مدرسةٍ سياسية إذا غابت، غاب معها ميزانٌ يحمي الدولة من الفوضى، والمكوّن من التفكك، والمستقبل من أن يُصيغه من لا يمتلك رؤية لصناعته.