🛑فرجال... news
بقلم :الدكتورة انتظار العظيمي
في تاريخ هذا البلد، لم نكن يومًا منصفين مع رجاله الكبار. من علي بن أبي طالب عليه السلام، إلى الحسن والحسين، إلى المختار، إلى كل شخصية حاولت أن تقيم ميزان العدل وتضع حدًا للفوضى… كان جزاؤها دائمًا التشويه، والاتهام، والطعن، حتى أصبحت الإساءة تقليدًا عراقيًا مؤلمًا، لا ينجو منه إلا المستبدون والضعفاء.
الغريب والمؤلم أن من يبطش ويكمم الأفواه ويصادر الأنفاس، يجد له من يبرر ويخشى سطوته، بينما يُستباح رجل دولة صبر، وتحمل، وحكم، وغادر السلطة دون أن يلطخ يديه بدم معارض أو صحفي أو ناشط، إلا من خرج على القانون وهدد كيان الدولة. أي منطق هذا؟ وأي ميزان عدل نستخدمه؟
نوري المالكي، شئنا أم أبينا، هو واحد من أكثر الشخصيات السياسية خبرة في عراق ما بعد 2003. رجل خاض أصعب المراحل، وقاد الدولة في زمن التفجيرات والانقسامات والمؤامرات، وخرج من رئاسة الوزراء وهو يمتلك الأغلبية البرلمانية، لكنه آثر حقن الدماء على التمسك بالكرسي. أليس هذا وحده كافيًا لإعادة النظر في حجم الظلم الذي لحق به؟
ومن العجيب أن يُوضع اسمه في سلة واحدة مع أسماء لم تختبرها الأزمات، ولم تمتحنها الدول، ولم تواجه ما واجهه هو من ضغوط إقليمية ودولية. أي مقارنة هذه؟ ومتى أصبح القادة يُقاسون بمن لم يثبتوا بعد؟
الحقيقة التي يتجنب البعض قولها، أن المشكلة ليست في المالكي، بل في من لا يريد قائدًا قويًا. هناك من يبحث عن واجهة، عن شخصية هادئة، مطواعة، لا تسأل عن الفساد، ولا تفتح الملفات، ولا تمتلك الجرأة على محاسبة المتجاوزين. يريدون حاكمًا بلا حزم، ورئيسًا بلا قرار، ودولة بلا هيبة.
وقد قالها أمير المؤمنين علي عليه السلام يومًا:
“متى صرت أُقرن إلى هذه النظائر؟”
وهو قول يختصر كثيرًا مما نشهده اليوم.
تجارب العالم كلها تؤكد أن التغيير الحقيقي تصنعه الشخصيات الاستثنائية، لا الكيانات الهشة. الأحزاب لا تُنتج زعماء، بل الزعماء هم من يصنعون الأحزاب. وعندما يغيب القائد، تترنح الجماعة، وربما تنهار. هكذا كان الحال بعد غياب قادة كبار في التاريخ، من مانديلا إلى غاندي، ومن كاسترو إلى غيرهم. الفراغ لا يُملأ بسهولة.
أما ما يُروج عن سقوط ثلث العراق أو فاجعة سبايكر، فالتاريخ سينصف الحقيقة يومًا ما. كانت مؤامرات متشابكة، داخلية وخارجية، استهدفت الدولة ورمزها، لأن وجود قيادة قوية كان خطرًا على مشاريع الفساد والتقسيم. لكن البعض، لقصر نظره، يكتفي بترديد ما يُملى عليه دون فهم أو تمحيص.
إن العراق اليوم محاط بتحديات أخطر من أي وقت مضى، ولا يحتمل التجربة ولا المجاملة. يحتاج إلى قائد يعرف دهاليز السياسة، ويمتلك قرار الدولة، ولا يخضع للابتزاز ولا للإملاءات.
كفى إضاعة للوقت، وكفى جلدًا للذات. أنصفوا من خدم، واحكموا بالعقل لا بالأحقاد، فالأوطان لا تُدار بالعواطف، بل بالرجال الذين يعرفون ثمن القرار.