🛑فرجال... news
بقلم: عصام الصميدعي منظّر الفلسفة التجريدية للإنسان
منذ فجر التاريخ، سعت الفلسفات الأرضية إلى إيجاد تبريرات عقلية لهيمنة القوي على الضعيف، حتى تبلورت هذه النزعة في ما عُرف بالعقيدة الأثنية في الفلسفة اليونانية القديمة، وهي منظومة أخلاقية تنطلق من فرضية خطيرة مفادها أن القوة هي مصدر الحق، وأن من يمتلكها يمتلك بالضرورة شرعية التشريع وفرض القوانين. وبهذا المنطق، أُعيد تشكيل المجتمع على أساس طبقي يقسم البشر إلى سادة وعبيد، وتحولت العدالة من قيمة إنسانية جامعة إلى امتياز تمنحه القوة وتحجبه عن الضعفاء.
ورغم تعاقب القرون وتغيّر الأشكال السياسية، فإن جوهر هذه العقيدة لم يختفِ، بل عاد في صور معاصرة تحت مسميات مثل الأخلاق النفعية والذرائعية البراغماتية، حيث يُقاس الخير بقدر ما يحقق من منفعة، ويُبرر الشر متى ما كان وسيلة لغاية مرغوبة. وفي هذا السياق، تمثل الولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا واضحًا لتطبيق هذا التصور، إذ تُمنح القوة حق الفعل والتشريع دون قيود أخلاقية حقيقية، ويُعاد تعريف القيم وفق منطق المصلحة والهيمنة.
لقد جرى اختزال الأخلاق في مفاهيم اللذة والإثارة والشهرة، بينما أُقصيت الرحمة والإحسان بوصفهما مظاهر ضعف لا مكان لها في عالم تحكمه المصالح. وهنا يلتقي الفكر البراغماتي المعاصر مع فلسفة ميكافيلي في مقولته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، ليُسلب الإنسان إنسانيته ويُختزل إلى أداة في منظومة نفعية عمياء.
وما نشهده اليوم في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وليبيا وفنزويلا ليس سوى تطبيق عملي لهذه العقلية الاستكبارية التي تتلذذ بألم الضحايا، وتتعامل مع دماء الأبرياء كوسائل للهيمنة والاستعراض. إن غياب أخلاق الواجب، التي نادت بها الشرائع السماوية، جعل من العالم المادي فضاءً بلا رادع، بينما تبقى أخلاق السماء وحدها القادرة على إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، بوصفها قيمة لا تُقاس بالقوة، بل بما يفيض من عدل ورحمة وإنصاف.