🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
لم تكن شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) حادثة عابرة في سجل المظلومية، ولا صفحة بكائية في تاريخ الاضطهاد، بل كانت لحظة كاشفة عن منطق السلطة حين تواجه الإنسان الذي لا يمكن احتواؤه ، فالسلطة حين تعجز عن كسر الفكرة تسجن الجسد، وحين تخاف من الأخلاق تحاصر الصمت ، في تجربة الإمام الكاظم (ع) لم يكن السجن نهاية الدور بل بدايته، لقد تحوّل القيد إلى خطاب والزنزانة إلى مرآة عاكسة لهشاشة الدولة العباسية التي امتلكت السيف والمال والجنود لكنها افتقرت إلى الشرعية الأخلاقية، وهنا تكمن المفارقة: لم يُسجن الإمام لأنه خطّط لثورة مسلحة بل لأنه جسّد بديلًا أخلاقيًا خطيرًا بديلًا يُربك السلطة أكثر مما يفعل السلاح ، الصبر الكاظمي لم يكن انسحابًا من الصراع كما يحلو للبعض أن يختزله بل كان شكلًا عالي الكلفة من المواجهة صبرٌ واعٍ و محسوب ويعمل على مراكمة الفضيحة ببطء ويجعل الطغيان يفضح نفسه بنفسه ،فالدولة التي تسجن رجلًا أعزل إلا من عدله تعلن إفلاسها دون أن تدري ،ولهذا كان الصمت عند الإمام خطابًا لا فراغًا؛ موقفًا لا حيادًا ،وفي القراءة المعاصرة تبدو شهادة الإمام الكاظم (ع) أشبه بنقد مبكر لـ«عنف الدولة المقدسة»، تلك التي تتدثر بالدين لتبرير القمع وتستعين بالفقه حين تعجز السياسة عن الإقناع، لم يكن الصراع بين إمام وخليفة فحسب بل بين نموذجين للوجود: نموذج يرى الحكم أمانة أخلاقية وآخر يراه غنيمة تُحمى بالقوة ، ولعل أخطر ما واجهته السلطة العباسية في الإمام الكاظم (ع) هو أنه لم يتحول إلى نسخة منها ،لم يساوم، ولم يبرر ولم ينزلق إلى منطقها، بقي ثابتًا في موقعه الأخلاقي ما جعل وجوده بحد ذاته إدانة مستمرة لها، ولهذا لم يكن اغتياله نتيجة فعل سياسي مباشر، بل نتيجة استحالة التعايش مع إنسان لا يُشترى ولا يُروَّض ، ان استدعاء شهادة الإمام الكاظم (ع) اليوم لا ينبغي أن يكون طقسًا وجدانيًا معزولًا عن الواقع، بل فعل وعي فنحن نعيش زمن السجون غير المرئية، حيث تُقمع الأصوات عبر التشويه، ويُغتال المعنى عبر التفاهة ويُحاصر العقل باسم الاستقرار، وفي هذا السياق تعود تجربة الإمام لتطرح سؤالها القاسي: لماذا تخاف الأنظمة من الإنسان العادل أكثر من الثائر المسلح؟المظلومية في سيرة الإمام الكاظم (ع) لم تكن حالة عاطفية، بل تحوّلت إلى وعي سياسي عميق، يُعيد تعريف النصر والهزيمة ، فالهزيمة ليست أن تُقتل مظلومًا، بل أن تعيش ظالمًا بلا معنى ،والنصر ليس أن تحكم، بل أن تبقى شاهدًا أخلاقيًا على زيف الحكم من هنا، لا تبدو شهادة الإمام الكاظم (ع) ذكرى من الماضي، بل اختبارًا للحاضر ، اختبارًا لمدى قدرتنا على فهم الصبر كقوة، والهدوء كفعل مقاومة، والإنسان كتهديد حقيقي لكل سلطة تنفصل عن القيم ،فحين يُقصى صوت العقل والعدل معًا، لا يخسر فرد واحد، بل يخسر المجتمع بوصلته كاملة ، وهكذا يبقى الإمام الكاظم (ع) حاضرًا لا بوصفه ضحية، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا:
كيف يمكن للإنسان أن يهزم الطغيان دون أن يشبهه؟