🛑فرجال... news
لم يعد الخطر الأمني اليوم متمركزًا على الحدود أو في أطراف الجغرافيا، بل تسلّل إلى العمق، حيث تقبع واحدة من أخطر القنابل الموقوتة التي تواجه الدولة: ملف سجون تنظيم داعش التي تضم ما يقارب سبعة آلاف عنصر إرهابي. هذا الرقم لا يمكن التعامل معه كحالة اعتيادية أو شأن إداري، بل كتهديد استراتيجي مفتوح على كل الاحتمالات، خصوصًا في ظل صراعات إقليمية محتدمة، وتاريخ طويل من محاولات فك السجون واستثمار الفوضى لضرب الاستقرار من الداخل.
إن وجود هذا العدد الكبير من الإرهابيين في مراكز احتجاز محددة يجعلها أهدافًا مغرية لأي جهة خارجية متغطرسة أو قوة احتلال غير معلنة تسعى لإعادة تدوير الفوضى في العراق. التجارب السابقة، داخل العراق وخارجه، أثبتت أن فك السجون لا يحتاج دائمًا إلى جيوش جرّارة، بل إلى لحظة ارتخاء، أو تشتيت أمني، أو اختراق استخباري، يعقبه هجوم منسق يُطلق العنان لموجة عنف واسعة يصعب احتواؤها.
المشكلة لا تكمن فقط في نوايا العدو، بل في خطورة الاعتماد على أساليب حراسة تقليدية لمواجهة تهديد غير تقليدي. سجون تضم آلاف الدواعش ليست مرافق احتجاز عادية، بل جبهات قائمة بذاتها، تتطلب إعادة توزيع عاجلة للقوات، وتشكيل أطواق حماية متعددة المستويات، وتخصيص وحدات مدرّبة حصريًا على سيناريوهات فك السجون، بدل استنزاف الجهد الأمني في مساحات أقل خطورة.
إن حراسة هذا الملف لا يمكن أن تُترك للروتين أو للاجتهادات الفردية. المطلوب استحداث أسرع وأفضل الطرق لحماية هذه المراكز، عبر دمج الجهد الاستخباري المباشر بالحراسة، وتفعيل المراقبة الجوية والتقنية، وتقسيم الأعداد الكبيرة بدل تركيزها في مواقع واحدة، فضلًا عن نقل بعض مراكز الاحتجاز إلى أماكن أشد تحصينًا وبعيدة عن الكثافة السكانية. فوجود آلاف الإرهابيين في نقطة واحدة يشبه وضع متفجرات هائلة في قلب الدولة، بانتظار من يضغط الزر.
إن أي خرق أمني في هذا الملف لن يكون حادثًا عابرًا، بل زلزالًا يضرب هيبة الدولة وثقة الشارع، ورسالة واضحة بأن القرار الأمني ما زال قابلًا للاختراق. ولهذا فإن حماية سجون داعش ليست مهمة أمنية فحسب، بل قرار سيادي من الطراز الأول، يحتاج غطاءً سياسيًا صريحًا، وتمويلًا استثنائيًا، وتنسيقًا عالي المستوى بين جميع الأجهزة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الخلافات البينية.
الخطر اليوم لم يعد على الأسلاك الشائكة عند الحدود، بل خلف الجدران العالية في الداخل. ومن لا يُحسن حراسة العمق، سيجد نفسه مضطرًا للقتال في كل شارع. الوقت ليس لصالح التردد، وأي تأخير في معالجة هذا الملف قد يحوّل السجون من أماكن احتجاز إلى شرارة فوضى شاملة لا تُطفأ بسهولة.