🛑فرجال...news
د. ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
المأساة التي خلفتها عقود من التكالب الدولي والفساد المحلي حيث تحول العراق من ركيزة أساسية للأمن القومي العربي إلى ساحة مستباحة تُنهب فيها ثرواته وتُقضم أراضيه ومياهه الإقليمية. إن ما يحدث اليوم في ملف الحدود البحرية وخور عبد الله ليس مجرد إجراءات تقنية بل هو مخطط ممنهج شاركت فيه (عصابة) سياسية باعت الذمم والمصيبة أن العراق سلم منشآته البحرية للخصوم بعقود للترضية وبيع الذمم في وقت تواصل فيه دويلات الخليج، وبدعم من قوى دولية استغلال ضعف الدولة العراقية وتفكك مفاصلها لإحكام الخناق على منفذها البحري الوحيد.
إن العودة للحقائق التاريخية والخرائط الموثقة، منذ العهد العثماني مراراً بالانتداب البريطاني والعهود الملكية والجمهورية، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكويت تاريخياً كانت قضاءً تابعاً للواء البصرة وأن الحدود البرية لم تتجاوز المطلاع حتى عام 1990 بينما كان خور عبد الله وجزر وربة وبوبيان جزءاً أصيلاً من المجال البحري والسيادي العراقي. وما حدث بعد عام 1991 من ترسيم حدود عبر مجلس الأمن لم يكن إلا ترسيماً جائراً صاغته الإرادة الأمريكية مدفوعة بالأموال الخليجية التي سُخرت لنهب الثروات الطبيعية العراقية وشرعنة السطو على حقول النفط الحدودية وهو ما يستوجب من العراق اليوم تحركاً قانونياً دولياً لرفع دعاوى قضائية ضد الكويت لاسترداد التعويضات عن النفط المسروق طيلة السنوات الماضية.
هذا التغول الخليجي لا يتوقف عند حدود العراق بل يمتد ليشمل اليمن الذي يعاني من احتلال سعودي صريح لمناطقه الشمالية في عسير وجيزان ونجران، وتوسع مستمر في جنوبه عبر قصف المدن واستهداف المحتجين وتعيين الحكام الموالين مما يكشف عن أجندة إقليمية لا تحترم سيادة الدول بقدر ما تسعى لتأمين مصالحها الضيقة. والمفارقة الصارخة هنا تكمن في (ازدواجية القلق) لدى هذه الدول فبينما تصمت أمام الاختراقات الإسرائيلية التي تستبيح الأجواء والمنطقة وتدمر غزة يرتفع مستوى قلقها وتوترها بمجرد أن يحاول العراق استعادة حقوقه المشروعة أو يمارس سيادته علماً أن العراق فعل مثل ما فعلت الإمارات العربية المتحدة عندما رسمت حدودها البحرية مع السعودية وأودعتها لدى الأمم المتحدة.
إن غياب الاستقرار الداخلي في العراق الذي صنعته حكومات الجهل والتبعية هو الذي جعل البلاد منطقة نفوذ وتصفية حسابات لكن الرهان يبقى على استرداد القرار الوطني ونبض الشارع الذي يرفض أن يظل العراق الرجل المريض في المنطقة. إن الحق العراقي في الأرض والمياه والثروات هو حق تاريخي لا يسقط بالتقادم واستعادته تتطلب مواجهة هذه التحالفات المسمومة التي لا تتحرك وفق شرع الله أو الجوار بل وفق حقد دفين وسعي لتركيع بلاد الرافدين وهو ما لن يتحقق ما دام هناك صوت يطالب بالعدالة والسيادة الكاملة.
يجب عمل خارطة طريق لاستعادة الحق العراقي لترجمة هذا الرفض إلى واقع ملموس يتعين على القوى الوطنية والخبراء القانونيين الدفع باتجاه الطعن الدولي وتقديم مذكرة احتجاج رسمية لدى الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للملاحة البحرية (IMO) تطعن في الاتفاقيات الموقعة تحت الإكراه أو بتواطؤ عصابات سياسية لا تمثل إرادة الشعب.
وتفعيل ملف التعويضات عن النفط المستخرج من الحقول الحدودية المشتركة التي تم الاستحواذ عليها بعد عام 1991.
وإعلان الحدود البحرية وتثبيت إحداثيات الحدود البحرية العراقية بما يضمن الوصول الحر إلى أعالي البحار أسوة بالخطوة السيادية التي اتخذتها دول المنطقة لحماية مصالحها.
إن استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط لا يتحقق عبر خنق الدولة العراقية ملاحياً واقتصادياً بل عبر احترام السيادة الكاملة والعدالة التاريخية. وبناءاً عليه يطلب العراق من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة توثيق هذا الاحتجاج كوثيقة رسمية وفتح باب المراجعة القانونية لملف الحدود البحرية بما يضمن حقوق الشعب العراقي في أرضه ومياهه..