🛑فرجال... news
لم يعد الحديث عن “إصلاح النظام العربي” ترفًا فكريًا ولا شعارًا إنشائيًا يُرفع في المؤتمرات، بل بات ضرورة وجودية تفرضها تحولات إقليمية ودولية عميقة، كشفت هشاشة البنية السياسية العربية وعجزها عن حماية مصالح شعوبها أو حتى صون توازناتها الداخلية. ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد أزمات متفرقة، بل هو مخاض طويل لنهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها الأبرز: إما إعادة التشكّل أو الانكفاء إلى هامش التاريخ.
لقد تأسس النظام العربي بصيغته التقليدية على توازنات ما بعد الاستعمار، وعلى فكرة “السيادة القُطرية” التي قُدّمت كحائط صدّ أمام التدخل الخارجي، لكنها تحولت تدريجيًا إلى جدار عازل بين الدول العربية نفسها. ومع غياب الإرادة السياسية الجماعية، تحوّلت المؤسسات المشتركة إلى أطر شكلية، لا تمتلك أدوات الفعل ولا تملك حتى القدرة على إدارة الأزمات العربية-العربية، فضلًا عن مواجهة التحديات الكبرى.
اليوم، يتعرض هذا النظام لاختبار غير مسبوق. فالقوى الإقليمية غير العربية باتت أكثر حضورًا وتأثيرًا في تحديد مسارات المنطقة، بينما تتراجع القدرة العربية على المبادرة. وفي الوقت ذاته، تعيد القوى الدولية رسم خرائط النفوذ وفق مصالحها، دون اعتبار حقيقي لخصوصيات المنطقة أو استقرارها. وبين هذا وذاك، تجد الدول العربية نفسها إما في موقع التلقي أو في حالة استقطاب حاد، يضعف الجميع ولا يقوي أحدًا.
إن ولادة نظام عربي جديد لا تعني بالضرورة هدم كل ما هو قائم، بل إعادة تعريف الأولويات وبناء منظومة عمل مشترك تقوم على الواقعية لا الشعارات. أولى هذه الأولويات هي الانتقال من مفهوم “التضامن الخطابي” إلى “التكامل الوظيفي”، حيث تتكامل القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بدل أن تتناحر أو تتكرر بشكل غير فعّال. فالدول العربية، مجتمعة، تمتلك من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهلها لتكون قوة إقليمية وازنة، لكن ذلك يبقى رهينًا بوجود إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة.
ثانيًا، لا بد من إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي، ولكن بصيغة حديثة تتجاوز الطرح التقليدي. فالأمن اليوم لم يعد عسكريًا فقط، بل يشمل الأمن الغذائي، والمائي، والطاقي، والسيبراني. وهذا يتطلب بناء شبكات تعاون حقيقية، وليس مجرد اتفاقيات تُوقّع وتُهمل.
ثالثًا، لا يمكن لأي نظام عربي جديد أن يستقر دون معالجة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فغياب المشاركة السياسية، وضعف المؤسسات، وتآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم، كلها عوامل تُضعف الجبهة الداخلية وتجعل أي مشروع إقليمي هشًا من الداخل. إن بناء نظام عربي قوي يبدأ من الداخل، من دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع مواردها، قادرة على استيعاب تنوعها.
أما القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا محور النظام العربي، فقد تراجعت في سلم الأولويات لدى البعض، لكنها في الحقيقة تظل اختبارًا لمدى جدية أي مشروع عربي جديد. فالتخلي عنها أو التعامل معها كملف ثانوي يعني القبول بإعادة تعريف المنطقة وفق رؤى خارجية، لا تراعي الحقوق ولا الاستقرار.
إن النظام العربي الجديد لن يولد بقرار، ولا ببيان ختامي، بل عبر مسار تراكمي من التفاهمات والتحولات. قد يبدأ بتحالفات مرنة بين عدد محدود من الدول، ثم يتوسع تدريجيًا، وقد يتشكل حول ملفات محددة قبل أن يتحول إلى إطار أشمل. المهم أن يكون قائمًا على المصالح المشتركة لا على المجاملات السياسية.
في النهاية، السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى نظام عربي جديد؟ بل: هل نملك الشجاعة لولادته؟ لأن البديل واضح؛ مزيد من التفكك، ومزيد من الارتهان، ومزيد من الغياب عن معادلات التأثير في عالم لا ينتظر احدا.