🛑فرجال... news
بقلم: الكاتب أحمد محمد العضو في مجلس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل..
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، تبرز الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد بوصفها عنصرًا حاسمًا في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ويعد التعاون الصيني–العراقي في مجال الطاقة نموذجًا متقدمًا لهذا النوع من الشراكات، حيث تجاوز إطار الاستثمار التقليدي ليشمل نقل الخبرات، وبناء القدرات المحلية، وتحسين جودة حياة السكان. وفي هذا السياق، لعبت شركة بتروتشاينا دورًا محوريًا في دعم قطاع النفط والغاز العراقي، وترسيخ أسس تعاون يقوم على المنفعة المتبادلة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
على مدى أكثر من عشر سنوات، أسهمت بتروتشاينا في تطوير عدد من أهم الحقول النفطية في العراق، من بينها الرميلة، والحلفاية، وغرب القرنة–1، والأحدب. وقد أدت هذه الجهود إلى رفع الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز، وتعزيز كفاءة التشغيل، ودعم مسار التنمية المستدامة لصناعة النفط الوطنية، بما مكن شريحة واسعة من العراقيين من الاستفادة من عوائد هذا القطاع الحيوي.
ولا يقتصر حضور بتروتشاينا في العراق على النفط الخام، بل يمتد ليشمل الإسهام في التحول نحو الطاقة النظيفة. فقد مثل تشغيل مصنع معالجة الغاز الطبيعي (GPP) في حقل الحلفاية عام 2024 خطوة استراتيجية في استثمار الغاز المصاحب، حيث تبلغ طاقته المعالجة نحو 3 مليارات متر مكعب سنويًا. وأسهم المشروع في تقليل انبعاثات الكربون بشكل ملحوظ، إلى جانب توفير إمدادات مستقرة من الغاز النظيف والكهرباء للمناطق المحيطة، ما يعكس توافقًا واضحًا مع أهداف العراق في مجالي الطاقة والبيئة.
وتكتسب هذه الجهود بعدًا إضافيًا بالنظر إلى الموقع البيئي الحساس لحقل الحلفاية، الممتد باتجاه هور الحويزة، إحدى الأراضي الرطبة المحمية دوليًا. وفي هذه المنطقة ذات النظام البيئي الدقيق، التزمت الشركات الصينية بتطبيق معايير صارمة لحماية البيئة، شملت المراقبة الدورية للمياه والتربة والهواء والتنوع البيولوجي، بما يسهم في حماية موائل الطيور المهاجرة والحفاظ على التوازن البيئي. وقد عبر عدد من الموظفين المحليين عن تقديرهم لهذا النهج، معتبرين أن الجمع بين تطوير الطاقة وحماية البيئة يمثل ركيزة أساسية للتنمية المستدامة في العراق.
إلى جانب تطوير الموارد، أولت بتروتشاينا أهمية كبيرة لتنمية الموارد البشرية، إدراكًا منها بأن الاستثمار في الإنسان يشكل أساس النجاح طويل الأمد. فقد ارتفعت نسب توظيف العراقيين في مشاريع الشركة بشكل مستمر، وترافق ذلك مع إنشاء منظومات تدريب متكاملة أسهمت في تأهيل كوادر فنية وإدارية متخصصة في قطاع النفط . وفي هذا الإطار، قامت الشركة الصينية للبترول والهندسة الإنشائية بتوظيف أكثر من 300 طالب من جامعة البصرة، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية مشتركة في معاهد التدريب النفطي.
وتجلى أثر هذه البرامج في انتقال عدد متزايد من الموظفين العراقيين من المواقع التنفيذية الأساسية إلى مناصب إشرافية وإدارية، ضمن بيئة عمل تقوم على الشراكة اليومية ونقل الخبرات بين الكوادر الصينية والعراقية. ويؤكد مهندسون عراقيون شباب أن هذا النمط من التعاون أسهم في بناء قدراتهم المهنية، ومكنهم من إدارة عمليات الإنتاج بشكل مستقل، بما يعزز توطين الخبرة داخل القطاع النفطي الوطني.
كما عملت بتروتشاينا على دمج الموردين المحليين في سلاسل التوريد، من خدمات البناء واللوجستيات إلى التصنيع والخدمات المساندة، ما أسهم في خلق دورة اقتصادية إيجابية انعكست على المجتمعات المحلية. وقد ساعد هذا النهج عددًا من المقاولين المحليين على تطوير أعمالهم، والتحول من مشاريع صغيرة إلى شركات متوسطة وكبيرة توفر فرص عمل واسعة، في مثال واضح على الأثر غير المباشر للاستثمار الأجنبي المسؤول.
وفي إطار مسؤوليتها الاجتماعية، نفذت بتروتشاينا سلسلة من المبادرات المجتمعية، شملت المساهمة في بناء المدارس والمرافق الصحية والطرق، وتقديم التبرعات التعليمية والطبية، ورعاية الأنشطة الشبابية والرياضية. وأسهمت مشاريع الشركة في خلق الكثير من فرصة عمل محلية، إضافة إلى تخصيص أكثر من 160 ألف ساعة تدريب خلال ثلاث سنوات، وتنفيذ أكثر من 150 مشروعًا خيريًا خلال خمس سنوات، استفاد منها ملايين المواطنين في مناطق مختلفة من العراق.
وتكاملت هذه الجهود مع مبادرات ثقافية وإنسانية، من بينها حفل التبرع بالأجهزة المكتبية والحواسيب والإنترنت لمدارس قضاء الكحلاء وناحيتي بني هاشم والمشرح في حقل الحلفاية، إلى جانب دعم برامج التدريب المشترك للكوادر النفطية العراقية. كما تعكس المشاركة في الأنشطة الثقافية، مثل مسابقات الفيديوهات القصيرة الصينية–العراقية، اهتمامًا متزايدًا بتعزيز التفاهم الشعبي والتقارب الثقافي، ولا سيما بين فئة الشباب.
لقد أثبتت التجربة أن الصين، عبر شركاتها وفي مقدمتها بتروتشاينا، تتعامل مع العراق بوصفه شريكًا استراتيجيًا محوريًا في الشرق الأوسط، ضمن مقاربة تقوم على احترام السيادة الوطنية وتحقيق الربح المتبادل، بعيدًا عن الإملاءات السياسية. ومع استمرار التعاون في مجالات النفط والغاز، واستخدام الغاز الطبيعي، والتحول إلى الطاقة النظيفة، تبرز ملامح شراكة قادرة على دعم الاقتصاد العراقي وتعزيز مساره نحو تنمية خضراء ومستدامة.
في المحصلة، يشكل التعاون في الطاقة بين الصين والعراق قصة نجاح تتجاوز الأبعاد الاقتصادية، لتجسد نموذجًا للتكامل بين التنمية والإنتاج، وبين الاستثمار والإنسان، في طريق مشترك نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.