🛑فرجال... news
د،ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
في رحاب الكلمة التي لا تحدها حدود الجغرافيا تجسد الباحثة المغربية (فاطمة بوهراكة) في مؤلفها (موسوعة الشعر العراقي) وحدة الوجدان العربي في أسمى صورها حيث تلتقي بلاغة المغرب بعنفوان المشرق لتؤرخ لذاكرة الحرف الذي صاغه الوجع العراقي العتيق. إن هذا العمل يتجاوز كونه مجرد حصر ببليوغرافي للأسماء والقصائد، ليصبح مختبراً فلسفياً يقرأ سيكولوجية الإنسان في بلاد الرافدين ذلك الإنسان الذي جعل من القصيدة درعاً في مواجهة العدم ومن اللغة وطناً بديلاً حين تضيق المنافي.
وتتجلى في رؤية بوهراكة فلسفة الأرشفة كفعل وجود فهي تدرك أن ضياع النص هو ضياع للهوية، لذا جاءت الموسوعة باجزائها الثلاث لترمم التصدعات التي خلفتها الحروب والتحولات الكبرى في جسد الثقافة العراقية معيدةً الاعتبار للقصيدة الفصيحة بوصفها الحامل الأمين للتراث القيمي والرمزي.
ومن خلال هذا السجل الضخم تبرز تجليات الذات المبدعة التي لا تنفصل عن قضايا السيادة والحرية حيث يمتزج صدى التاريخ بآمال الحاضر وتتحول الأسطورة العراقية القديمة إلى رمز معاصر يفسر صمود هذا الشعب وتمسكه بجذور أرضه رغم العواصف العاتية.
إن الموسوعة تطرح تساؤلاً فلسفياً حول ماهية الشعر في زمن الانكسار وتجيب من خلال مختاراتها بأن الشعر العراقي هو سيمفونية الروح التي تعيد ترتيب العالم من جديد حيث تحضر المرأة الشاعرة كقوة خلاقة تكسر قيود النمطية وتعلن استقلالها الفكري والجمالي وحيث تبرز تيمات الفقد والرثاء ليس كفعل استسلام بل كطاقة تطهيرية تعيد صياغة الحياة من قلب الموت. هكذا يصبح عمل بوهراكة جسراً فكرياً يربط بين نقد الذات وتوثيق الآخر مؤكداً أن القصيدة العراقية تظل هي القلب الأبيض الذي ينبض بالفصاحة محولاً الأوجاع الشخصية والوطنية إلى إرث إنساني خالد يتجاوز ضفاف دجلة والفرات ليستقر في وجدان القارئ العربي في كل مكان.
ورغم أن هذا العمل يمثل بحد ذاته أنطولوجيا وطنية وتاريخية كبرى إلا أنه يضعنا أمام تساؤل جوهري حول أسباب غياب الالتفاتة الرسمية والمؤسساتية من قِبل وزارة الثقافة واتحاد الأدباء في العراق تجاه منجز بهذا الحجم والشأن. فالموسوعة ليست مجرد جهد فردي عابر، بل هي بمثابة الأرشيف الشعري السيادي الذي يجمع شتات الذاكرة الأدبية الرافدينية في سفر واحد ومع ذلك ظل هذا المنجز يتيماً من الدعم الحكومي والاحتفاء النقدي المؤسساتي المفترض.
إن هذا التغافل يثير الدهشة والاستغراب خاصة وأن الموسوعة أنجزت ما عجزت عنه مؤسسات ثقافية كبرى تمتلك الإمكانات والتمويل مما يشير إلى فجوة عميقة بين المبدع العربي الذي يكرس حياته لخدمة الأدب العراقي وبين الدوائر الرسمية التي غابت عن مشهد التكريم والاحتفاء بجهد بوهراكة الاستثنائي. إن غياب هذا الاهتمام لا يقلل من قيمة العمل بل يسلط الضوء على ضرورة إعادة النظر في معايير الدعم الثقافي فمنجز يوثق لأجيال من الشعراء ويحمي الهوية الشعرية من الاندثار كان الأجدر أن يكون في صدارة المحافل الثقافية الرسمية بكونه وثيقة تاريخية تحفظ للأجيال القادمة ملامح العبقرية العراقية التي تألقت في فضاء القصيدة الفصيحة.