🛑فرجال... news
د. ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
لم يكن إعلان وقف القتال في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد (هدنة محارب) بل كان إعلاناً ضمنياً عن انتهاء حقبة وبداية أخرى. فالسؤال الذي يطرحه الواقع اليوم ليس عما إذا كانت الحرب قد انتهت بل عن ماهية هذا السكون الذي خيم على المدافع؛ هل هو توقف للقتال أم نهاية للحرب؟
المؤشرات السياسية تؤكد أننا أمام استسلام مغلف بالتفاوض حيث أُرغمت القوة العظمى الوحيدة في العالم على الجلوس إلى طاولة رسمتها إحداثيات الصواريخ الإيرانية وصمود جبهاتها في مشهد وصفه الإعلام الأمريكي نفسه بأنه هزيمة استراتيجية نكراء لم تشهدها واشنطن منذ فيتنام.
لقد دخلت المنطقة أسبوعين من ترقب مخرجات الحوار لكن الحقيقة تتجاوز النقاط العشر الإيرانية أو الخمس عشرة الأمريكية.
إن قبول ترامب بالتفاوض على شروط طهران كان ثمنه المعلن هو فتح (مضيق هرمز) ولكن الثمن الضمني كان الاعتراف بإيران كقوة عظمى رابعة صاعدة لا يمكن تجاوزها أو كسر إرادتها بالقوة. إن تحول مشروع (إسقاط النظام) إلى الاعتراف ببقاء النظام وقوته يمثل انكساراً للموجة العاتية التي قادها الثنائي (ترامب-نتنياهو) حيث لم يجنِ هذا التحالف سوى رؤية طهران وهي تحصد ثمار الهدنة بعائدات مليارية مرتقبة من رسوم المضيق ونهاية فعلية لعصر الحظر النفطي الذي أريد له أن يكون خناقاً فإذا به يتحول إلى سلاح بيد المحاصَر.
ومع هذا الصعود السياسي لا يمكن إغفال الثمن الباهظ فقد تضررت إيران بشدة وفقدت قادتها وقواتها ودمرت بنيتها ما يجعلها بحاجة إلى سنوات لاستعادة شيء من مكانتها إن سُمح لها بذلك. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الثمن تحول إلى وقود لشرعية دولية جديدة فرضتها طهران بالدم والنار.
وعلى ضفة الوعي العربي أحدثت هذه المواجهة صدمة فاقت قدرة الكثيرين على التصديق. لسنوات طويلة نُحتت في الوجدان السياسي العربي صورة لأمريكا بوصفها (إلهاً سياسياً) يحيي ويميت بيده ملكوت القوة التي لا تُقهر. لقد كان العرب في مجملهم الأكثر تمسكاً بقدسية هذه القوة حتى تحول الخوف منها إلى طقس من طقوس الولاء، والتبشير بوجوب الاستسلام لها كقدر محتوم. لكن هذه الأصنام تحطمت اليوم على يد دولة من العالم الثالث صمدت تحت أعتى ترسانة عسكرية رغم فقدانها أجيالاً من قادتها وتدمير منشآتها. سقط الوثن الذي كان البعض يرممه بـ (تريليونات القرابين) وظهرت أمريكا بوجها الحقيقي قوة قابلة للانكسار أمام شعب يأبى الضيم وجيش يبحث عن مخرج يحفظ ما تبقى من ماء الوجه.
في هذا المشهد المعقد برز الدور الباكستاني كمهندس لمسار تفاوضي ذكي نقل الصراع من فوهة المدافع إلى طاولة باكستان.
لم يكن الهدف مجرد حماية إيران بل حماية الجغرافيا الإسلامية من انزلاق شامل نحو الفوضى. إن الاتفاق على مناقشة كافة البنود الأمريكية والإيرانية كسلة واحدة يمثل ذروة الدبلوماسية الوقائية التي قد تُفضي إلى مفاوضات مباشرة وجهًا لوجه بين قيادات رفيعة مما يمنح أي اتفاق مستقبلي بعداً استراتيجياً يتجاوز اللحظة الراهنة.
بالنظر إلى النتائج نجد أن الجميع خرج مثخناً بجراح لكنها جراح غيرت قواعد اللعبة فإسرائيل التي وصل الرعب إلى قلبها بعد فشل منظومات ردعها ستفكر ألف مرة قبل مغامرة جديدة. وأمريكا التي اهتزت صورتها أمام حلفائها لم تعد تلك المظلة الموثوقة. أما الدول العربية والإقليمية فقد وجدت نفسها أمام حقيقة عارية لا بديل عن الاعتماد على النفس وبناء قوة ردع ذاتية وتوحيد الصف بعدما تبين أن القوى الكبرى ليست سوى (نمر من ورق) حين يصطدم بإرادات حقيقية.
نحن الآن أمام لحظة فارقة في التاريخ فإما أن يستوعب العقل العربي أن عصر العبودية السياسية للأوثان الدولية قد انتهى أو سيستمر البعض في محاولة ترميم الصنم المحطم.
إن الحقيقة التي أفرزتها الأربعون يوماً من الحرب هي أن موازين الأرض قد اختلت وأن القوة العظمى القادمة هي التي تملك القدرة على قول (لا)في وجه العاصفة والبقاء واقفة حينما يصمت الرصاص...