🛑فرجال... news
محمد ميلود غرافي
تحكي عالية ممدوح عن معاناتها مع المرض، وعن الكتابة أثناء المرض، وما بينهما عوالم وأمكنة وأزمنة متفرقة ومُتشظّية وذكريات عن الحب والمحبوب والجَدّة والعمّة وتأمّلات فلسفية عن الموت والمرض والجسد وموقع الكتابة من داخل حالات المرض لا خارجها فحسب. لذلك تنكسر هنا العديد من الحواجز في وجه كتابة السيرة الروائية، منها خاصة الجمعُ في شخصية واحدة بين الأنا والمحبوب والمرض. فالمرض هنا ليس كائنا غريبا، إنه “من أهل البيت” (ص 43) وهو مثل الحب “يضني المحب ويمكن أن يقضي على حياته” (ص 36) لذلك يجب التعامل معه كأنه جزء لا يتجزأ من الذات :”المرض لا يرغب في أي نوع من العداوة بينه وبين المريض، هو يريد أن يكون موجودا في حياتك كالمحبوب، فقط” (ص 37)، لأن العلاقة التي تقيمها الكاتبة بين الحب والمرض تكاد تكون بنيوية في رسم ما تبقى من مسارات سردية في الرواية: “قليلا من الحب وتغدو مريضا” (ص 98). ثم إن المرض هنا اختبار للذات نفسها: “فالمرض حالة تصحيح مستمرّة” (ص 36) ومن ثمة فهو “ليس سلبيا”، لذلك لا يجب التعامل معه كعدو لأنه كالمحبوب “لا يرغب في أي نوع من العداوة بينه وبين المريض” (ص 37).
ولذلك كان لا بد من تكسير المتعارَف عليه في كتابة السيرة الذاتية، مِنْهُ أنّ ضمير المتكلم المفرد ليس كافيا للإحاطة بالعوالم الدقيقة لحالات المريض، لذلك تتساءل الساردة/الكاتبة: “هل يمكن أن نبتكر ونتخيل في السيرة الذاتية؟” (ص 35) فتقوم بذلك فعلا وهي تقترح “تأنيب ضمير المخاطب قليلا، والتقليل من اندفاع ضمير المتكلم أو نكوصه” (ص 35) مبررة ذلك بعجز “الراوي العليم” عن الإحاطة بكل شيء: “الراوي العليم (…) يفوته كل شيء ولا يلحق به، فلا يهتم بالأمر على العكس من باقي الضمائر” (ص 82). لذلك نوّعت الكاتبة في ضمائر الحكي متنقلة من ضمير المتكلم المفرد إلى ضمير المتكلم الجمع ثم إلى المخاطَب مرة ثالثة، مما شكل في مخيلة الساردة أحيانا “مشاجرة” بين الضمائر تزيد من مفهوم القلق في الكتابة الأدبية: “مشاجرات الضمائر لازالت تسبب لي جلبة ومضايقة. يضايقني الغائب فأقول له بصوت مسموع، أنت لست من أهلي في كثير من الأحيان. ثم أركز هدفي على المخاطَب فيعطيني انطباعا أنه أكثر الضمائر مكْرا (…) المتكلم يستيقظ منذ بدء الوجع، والمخاطب يغطيني بشرشف خفيف فيقهقه جسدي فنلتصق ببعض ولا نعود نفترق. وذاك الغائب، كل ليلة، يا عيني يحضر ويمكث في هواء الورق وثياب النوم…” (ص 138).
قلق الكتابة يتماهى مع المرض وتشعّ من بينهما أسئلةٌ وجودية عن الصراع بين الحياة والموت والجسد واللغة
في “خلوة النقص” تنكسر أيضا تلك الحواجز التي حرصتْ عالية ممدوح عمْدا على عدم تخطيها سابقا في أعمالها المستوحاة من حياتها الخاصة، فقد كانت تبدو حذِرة جدا من إدراج عمل لها في ما يسمى بالسيرة الذاتية، معتبرة كما جاء في رواية “الأجنبية” أن كلمة سيرة مشوِّشة: “لا أميل لأي عنوان تدخل فيه كلمة السيرة. فهذه كلمة ما إن أسمعها تنطق من فلان أو غيره، حتى أصغي لنوع من الصفير يتجمع في قاعات مغلقة، ومن هناك يبدأ التغامز” (الأجنبية، ص 20). نفهم من هذا أن التعامل مع النص كسيرة ذاتية محضة قد يختزل الرواية بأكملها لدى القارئ في مجرّد نص وثائقي يتلصص فيه القارئ على حياة المبدع، مما قد يُهمّش في عملية التلقي أبعادَه الجمالية ويُلغي فيه تلك المسافة الجميلة بين لحظة الحدث ولحظة كتابة الحدث، ناهيك عن مسافة أخرى تخلُقها اللغة بين اللحظتيْن لتصير استعادة الماضي تَمثّلا للحدث وليس انعكاسا له.
في “خلوة النقص” تسقط بعض هذه الحواجز لكن بطريقة تتحايل فيها الكاتبة على القارئ بخلط الأوراق بين المتخيل والواقعي. ثمة من جهة شخصيات واقعية من لحم ودم في محيط الكاتبة عالية ممدوح: ابنها عبداللطيف مصطفى، والطبيب فريديريك ريفيير، وصديقاتها: إشراق كرونة، هدى إبراهيم، إقبال القزويني، سعدية بنسعيد، هيلين سيكسو، كاترين لامب. وثمة من جهة أخرى ما لم يُسْدَل السّتار عن اسمه مثل شخصية “المحبوب” (الغائب/الحاضر الذي تُشهِده على آلامها) أو ما حوّلتْه اللغة إلى مجازات وتخيّلات تجعل القارئ مُعلَّقا بين الواقعي والمتخيّل أو على الأجدر بين ما تسميه الساردة في هذا النص “اقتراب وابتعاد” المؤلف كإستراتيجية سردية تضمن لنص السيرة الروائية حدّا أدنى مما تُسمّيه هنا “التخييل السردي”: “المؤلف يقترب تارة ويبتعد تارة أخرى، وهو ينتظر مجيء بعض الشخصيات، وتعديل خُلق البعض الآخر” (ص 31).
الكتابة قلق كبير
حح
كل هذه التأملات والهواجس في طريقة الكتابة وكيفية الإمساك بكل تفاصيل الألم وتشييد بناء سردي متماسك بينما الجسد المريض في حالة انهيار، تدلّ على أن الكتابة بدورها -في هذا السياق بالذات- مصدر قلق كبير، فتغدو بدورها داء (نفسيا على الأرجح) ينضاف إلى داء الجسد، لتصير اللغة بؤرة هذا القلق. إنها أحيانا سادية وسلبية (نيغاتيف) وعنيفة تشعر إزاءها الذات الكاتبة بالهزيمة: “أتلقى اللطمات من هذه المفردة وتلك الطريقة في السرد، فتدفع بي إلى أسفل سافلين بين المارّة والممرضات والمرضى، وأنا أشق الزحام اللغوي وحدي وأنظر إلى طبيبي وهو ينتظر أن أكتب له ولو جملة مفيدة، ولكن عبثا” (ص 177). ثم تضيف في ما يشبه الإحساس بالضياع أو الخوف من عواقب هذا الفراغ اللغوي على الجسد الهشّ الذي يعاني من “التهاب رئوي/ارتشاحي”: “كنت أتوقف عن تتبّع مسرى هذه العبارة أو تلك خشية أن تقودني إلى الضيق وانقطاع التنفس، بقيت الكراسة قرب رأسي خالية تماما (…) تضاعفت فترات الجلوس أمام الكراسة دون طائل فقد بدت لي الدنيا والشخصيات واللغة ‘نيغاتيف'” (ص 177 – 179).
هذا “الزحام اللغوي” ومكْر اللغة وانسيابها ثم إجحافها أحيانا هو نفس ما عبرت عنه فيرجيينا وولف في روايتها “الأمواج”: “ها هو إيقاعٌ مألوف يبدأ بالخفقان في داخلي:الكلماتُ النائمة، الكلماتُ الساكنة، تنهض، تُقوِّسُ قممَها، ثم تهبط، ثم تعتدل من جديد، مرةً أخرى، وعلى الدوام”.
شيئا فشيئا تتحول اللغة في مخيلة الساردة/الكاتبة إلى شخص بعينه، بجسد قوي وعظام صلبة و”إيقاع لطيف وحركات رشيقة” (ص 185). فأمام المصير القاسي الذي يَلْقاه الجسد، وأمام ما قد يبدو أحيانا أنه “الرمق الأخير” (ص 183) تقوم عالية ممدوح بنفخ الروح في كل الأشياء لتحويلها إلى شخصيات حيّة: النباتات واللغة والمرض تصير كائنات تتنفس وتَقْهر وتَهزِم وتقوم بكل ما يقوم به الكائن البشري. وعندما تلتقي اللغة بالمرض قد تصاب بالخرس أحيانا أمام هشاشة الجسد، لذلك ليس في وسع الكاتب سوى المراهنة على إغوائها لتصير طيّعة وشفّافة ورشيقة. وفي فعل الإغواء هذا يكمن جانب مهمّ من قلق الكتابة: “ترى كيف يتمّ إغواء اللغة؟ ما هي التحضيرات التي يخضع لها المرء في الجوهر، وذاك الذي يماطل وهو يلبس الكلمات بالثوب الضيق على جسد ترهل كثيرا” (ص 185).
“خلوة النقص” ليست فحسب رواية عن المرض، بل أيضا وأساسا رواية عن الكتابة من داخل المرض، حيث يتماهى قلق الكتابة مع المرض وتشعّ من داخل سردية الربط بينهما أسئلةٌ وجودية عن الصراع بين الحياة والموت، والجسد واللغة، والمرض واللامرض، لتتشكل في آخر المطاف رؤية عنوانها: النقص؛ نقص الابن، نقص العمة، نقص الوطن، نقص المحبوب الذي تشكل هذه الرواية محاولة للتصالح معه أو لإصلاح ما قَدْ أفْسدتْه “الأجنبية”. لكن النقص الرهيب يكمن لا شك في تلك اللحظة التي تعقب الانتهاء من كتابة النص والتي قد تتحول إلى كآبة وشعور قاتل لا بالعزلة بل بالخلوة، أي بالفراغ الذي يشبه الغرق أو الهبوط إلى الهاوية أو ما تسميه المؤلفة كناية عن الطابق التّحت – أرْضي: “ناقص 1 ” و”ناقص 2″. أليس في استحضار عبارة لفيرجيينا وولف في آخر سطر في الرواية تَمثّلٌ صارخ لهذا الشعور بالهبوط إلى العوالم السفلى أو على الأقل بأنّ كل هذا “الاستثمار” لآليات الكتابة عن المرض “ليس كافيا” لسبر أغواره السحيقة؟
المصدر : موقع العرب