🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
ما زلتُ أستحضر بذاكرة الطفلة التي كنتُها في ثمانينيات الموصل ذلك الوجوم الذي خيم على المدينة والصوت المثقل بالوجع لوالدي (رحمه الله) وهو يعود كل يوم ليروي لنا مشهداً لم تمحه السنين. كنتُ أسمع الكبار يتحدثون عن معلم خان الأمانة واستدرج تلميذة في الصف الثالث الابتدائي ليفترس براءتها فجاء القصاص بصرامة ذلك الزمن وزخمه حُكم عليه بين ليلة وضحاها أن يُشنق في ساحة (باب الطوب) العامة. كان والدي يقول كل يوم أعبر الساحة، أجده ميتًا معلقًا حيث تُركت جثته هناك أسبوعاً كاملاً تتأرجح تحت شمس المدينة حتى تهرأ الحبل وتفسخ الجسد، ليكون عبرةً تقذف الرعب في نفوس الوحوش البشرية. كانت تلك المشنقة، رغم قسوتها، تمثل طهر المدينة الذي يرفض التعايش مع الدنس وصيحة عدالة ناجزة لا تعرف المماطلة.
واليوم بعد عقود من تلك الواقعة أجد نفسي كصحفية وباحثة أقف أمام فواجع أشد قتامة لكنها هذه المرة لا تأتي من غريب في مدرسة بل تخرج من أحشاء البيت ومن صلة الرحم. فما حدث للطفلة البريئة (غزل سيف) صاحبة الأربع سنوات يمثل صرخة تزلزل ضمير الوجود حيث تحول (الخال) من مأمن وسند إلى وحش كاسر ينهش لحم براءته بدم بارد. إن هذه الجريمة ليست مجرد اعتداء بل هي انتحار جماعي للأخلاق والقيم حين تُغتصب طفلتان في لايتجاوزن الخامسة من عمرهن ثم يُتقتلن وتُرمى جثثهن في مجاري القذارة في مشهد يعكس روح الجاني التي تعفنت قبل جثته ويؤكد أن شياطين الإنس قد غلبت شياطين الجن في ابتكار الفجيعة.
إن هذه الفظاعة التي اهتزت لها أرض العراق تمثل ذروة الانحطاط فهي جريمة تجاوزت غدر قابيل بمراحل لأنها استهدفت كائناً لا يملك من السلاح إلا البرائة ولا من الحيلة إلا ثقته بمن يشاركه الجينات. هذا السواد الذي يتفشى اليوم هو النتيجة المرة لانهيار الوازع الردعي وتفشي آفة المخدرات التي مسحت الفوارق بين الحلال والحرام يرافقها صمت مجتمعي قاتل وستر مشبوه يغلف جرائم الأقارب تحت مسمى الحفاظ على السمعة بينما السمعة الحقيقية تُذبح كل يوم على مذابح الشهوات الحيوانية.
الأسباب تتشابك بين غياب الوعي التربوي الذي لا يحذر الطفل من أقرب الناس إليه وبين تابوهات اجتماعية تمنع الحديث عن الانحرافات داخل الأسرة حتى تقع الفأس بالرأس. وبالنظر إلى لغة الأرقام المرعبة في العراق نجد أن البيانات الحقوقية تشير إلى أن نسبة كبيرة من حالات الاعتداء تقع ضمن (الدائرة القريبة) حيث تبقى الآلاف من الصرخات حبيسة الجدران خوفاً من (العار)الموهوم وهي أرقام تستغيث بضرورة تشريع قوانين حماية صارمة تعيد للقصاص هيبته التاريخية.
لذا فإن استعادة الأمان في روح المجتمع لا تبدأ بالبكاء على الأطلال بل بثورة قانونية تجعل من الإعدام في الميادين العامة استحقاقاً لا يقبل التأجيل ليكون هؤلاء المسوخ عبرة كما كان جاني باب الطوب في ثمانينياتنا. فمن يقتل طفلة ويشوه فطرة الحياة لا يستحق إلا أن تُعلق جثته العفنة لتأكل منها الطيور ليعلم القاصي والداني أن براءة الأطفال خط أحمر دونه الموت والخزي الأبدي، وحتى لا تتحول أوطاننا إلى محض خرائب مهجورة تتخفى بزي الحياة
إن المقارنة بين عدالة الأمس وعدالة اليوم تكشف عن فجوة مرعبة في منظومة الردع القيمي والقانوني. فقديماً كان المجتمع والدولة يدركان أن استباحة الطفولة هي استباحة لكيان الوطن فكان القصاص ناجزاً وعلنياً يغسل العار عن وجه المدينة. أما اليوم فنحن نواجه تغولاً شيطانياً يتغذى على تفشي المخدرات وانهيار الوازع الديني والصمت المجتمعي المشبوه الذي يتلطى خلف (ستار السمعة) بينما تُذبح السمعة الحقيقية على مذابح الشهوات الحيوانية داخل البيوت التي استحال أمانها خوفاً...