🛑فرجال... news
جميلٌ ما طرحه رينيه ديكارت في (التأملات) حين تساءل: كيف نثبت أننا يقظون ولسنا داخل حلم آخر؟
ومن يدري… لعلّنا لم نغادر وهماً إلا لندخل وهماً أشدّ تعقيداً.
لطالما وصفتُ الحياة بأنها وهم، لا بمعنى نفي جوهر الوجود، بل بمعنى أن المنظومة الفكرية والتواصلية بين البشر ليست سوى شبكة من السياقات اللغوية المتعددة، الممتلئة بالمعاني المتضاربة والمقاصد الخفية. وآخر ما قلته بهذا الشأن كان في درس السمنار مع طلبة الماجستير، حين أشرتُ إلى أن الإنسان قد لا يعيش داخل الحقيقة بقدر ما يعيش داخل تأويلاتها المتصارعة.
وهذا ما يفسّر التناقض الإنساني، فالإنسان عند توماس هوبز ذئبٌ لأخيه الإنسان، لكنه يظهر في صورة الخير الفطري كما عند جان جاك روسو. وبين هذين التصورين ضاعت حقيقة الإنسان، لأن كثيراً من الفلاسفة غاصوا أركيولوجياً في البحث عن صورة الحضارة، متناسين أنياب (الإنسان الوحش).
وربما لهذا حاول تزفيتان تودوروف تفكيك إشكالية القيم الأخلاقية المتضاربة داخل اللغة نفسها، فمنهم من اتجه إلى الفيلولوجيا، ومنهم من لجأ إلى اللسانيات، بحثاً عن تطور اللهجات وتأثرها بالبيئة والثقافة. لكنهم تجاهلوا أن اللغة، مهما بدت جميلة كما عند إيمانويل كانط، قد تكون قاتلة كما وصفها فريدريك نيتشه.
إن هذه الأوهام ليست إلا صناعة العبيد الذين فقدوا كرامتهم تحت شعار: (اخدم سيّدك لتحيا غرائزك). وما ذلك إلا (مراقبة وعقاب) بتعبير ميشال فوكو، حيث تتحول السلطة إلى هندسة للسياقات من أجل بقاء الأوليغارشية وسقوط القيم.
ولم يكن هيغل بعيداً عن هذا الحلم حين تخيّل تحرير العبيد عبر التاريخ الأوروبي، ثم جاء كارل ماركس ليعلن أن الحياة ستقف على قدميها، قبل أن يكتشف لاحقاً أن الأيديولوجيا قد تتحول إلى (أفيون) جديد.
يا لها من قصة بارعة…
قصة يتقاسم فيها الكذبُ واللغةُ صناعةَ الواقع، حتى يغيب الحضور الحقيقي للحياة، وينكشف هشاشـة الأمل، لنستيقظ أخيراً على شكّ ديفيد هيوم الذي يذكّرنا بأن ما نظنه يقيناً قد لا يكون أكثر من عادة ذهنية طويلة.
ولعلّ ما كُتب هنا ليس سوى بداية الحديث… أما بقيّة الحكاية فقد تكون أقسى مما تحتمله اللغة نفسها.