🛑فرجال... news
في السياسة الدولية لا تُقاس الأشياء بأوزانها المادية بقدر ما تُقاس بما تمنحه من نفوذ. فالموارد قد تتحول إلى أدوات تأثير، والحدود إلى معادلات قوة، أما اليورانيوم المخصب فلا يُختزل في كونه مادة محفوظة داخل منشآت محصنة، بل يصبح تعبيرًا آخر عن السيادة والردع وموازين القوة.
فقد نقلت وكالة رويترز بتاريخ 21 أيار/مايو 2026 عن مصدرين إيرانيين كبيرين أن المرشد الإيراني أصدر توجيهًا بعدم إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، في خطوة بدت أقرب إلى ترسيم سقف سياسي منها إلى مجرد موقف تفاوضي.
عند هذه النقطة يتغير السؤال الأساسي؛ فالمسألة لم تعد: هل ستسلّم إيران مخزونها أم لا؟ بل: ما هي المسارات المتاحة للطرفين إذا تقلصت مساحة التسويات؟
أمام إيران تبدو ثلاثة مسارات رئيسية، لكن واشنطن تدرك أن طهران لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها طريقًا مستقيمًا ينتهي باتفاق نهائي، بل تراها ساحة لإدارة الوقت وتحريك الأوراق وتبديل المواقع. لذلك فإن كل مسار إيراني يستدعي استجابة أمريكية مقابلة.
المسار الأول يتمثل في الاحتفاظ بالمخزون مع تقديم ترتيبات فنية بديلة؛ تعديلات جزئية وتنازلات محسوبة، مع بقاء جوهر القدرة داخل الحدود الإيرانية. وفي المقابل ستسعى الولايات المتحدة إلى إحكام الرقابة وتقليص هوامش الحركة، لأنها تدرك أن الفارق بين التنازل الحقيقي وإعادة صياغته قد يتحول إلى مساحة سياسية واسعة.
أما المسار الثاني فهو الرهان على الزمن؛ الحليف الذي أتقنت طهران التعامل معه عبر سنوات طويلة. جولات تفاوض تمتد، وتفاصيل تتشعب، واستحقاقات تُرحّل. وفي الجهة الأخرى ستعمل واشنطن على رفع كلفة الانتظار عبر أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، انطلاقًا من خبرة متراكمة مفادها أن بعض المفاوضات تُدار أحيانًا لإطالة المسار لا لإنهائه.
أما المسار الثالث فهو الانتقال إلى مناخ أكثر تصعيدًا، سواء برفع مستويات التخصيب أو اعتماد خطاب أكثر تشددًا. وهنا تتراجع الخيارات الهادئة لمصلحة رسائل أكثر ثقلاً: تحركات عسكرية وضغوط متزايدة، مع بقاء خيار القوة حاضرًا في الخلفية، حتى إن لم يكن الخيار المفضل.
لكن المفارقة الأهم أن الأزمة تجاوزت منذ زمن مسألة اليورانيوم نفسها. فالقضية لم تعد مرتبطة بنسبة التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل بأزمة ثقة مزمنة؛ إذ يبدو كل تنازل وكأنه مقدمة لمطالب جديدة، وكل ضمان وكأنه التزام مؤقت.
وهكذا يجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى في موقعه المألوف؛ حاضرًا في النتائج وغائبًا عن صياغة القواعد. ففي هذه المنطقة تبدأ أزمات كثيرة بتفاصيل صغيرة داخل منشآت مغلقة، ثم تنتهي أحيانًا بإعادة رسم خرائط كاملة.
فما يبدو اليوم مادة تُقاس بالكيلوغرامات قد يكتشف الجميع لاحقًا أنه كان يُقاس بوزن دول بأكملها.