🛑فرجال...news
د. شلتاغ عبود
(وَلَقَد جَآءَكُم يوسُفُ مِن قَبلُ بِٱلبَيّنات فَمَا زِلتُم فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖحَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلتُم لَن يَبعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعدِهِۦ رَسُولت كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن هُوَ مُسرِفٞ مُّرتَابٌ)
القائد والرسالة :
——————-
هذا كلام مؤمن ال فرعون ، وهو يخاطب قومه ابّان موقفهم من موسى ، ويذكرهم بتجربة سابقة لهم مع يوسف عليه السلام .
وذلك حين تعاملوا معه بحالة من الشك والارتياب وعدم الثبات ، ثم انه لما مات قالوا : انتهت الرسالة ولن يبعث الله رسولا مرة اخرى !
في حين ان الرسالة لن تموت بموت القائد ، الرسالة مشروع الهي كبير وخالد ، يتجاوز التاريخ
والجغرافية ، فيمتد زمانا ومكانا ،
ويحفر وجوده رغم العقبات ورغم مواقف الصدود والمواجهة والارتياب من قبل الأفراد والجماعات .
ان التعلق بالأشخاص وعدم التعلق والذوبان الكامل بالرسالة
مرحلة من مراحل النمو الفكري
للأفراد والجماعات . كما يقول مالك بن نبي
فالإنسان في أول مراحل حياته البيولوجية يتعلق بثدي أمه وبكل ما يشبع غريزته للعيش والحياة ، يثم ينتقل في مرحلة تالية الى التعلق بامه وأبيه والشخص الذي يلاصقه ويؤثر عليه ، لينتهي الى مرحلة الاستقلالية والنضوج ، لتصبح الأفكار والأمور المعنوية محل اهتمامه وتعلقه .
ويبدو ان الشعوب التي تتعلق بالقائد وليس بالرسالة تعبر عن مرحلة من مراحل حياتها وهي تسير عبر طريقها نحو التكامل .
ان الاية الكريمة تكسر وهمين من اوهام العقل البشري :
اولهما : وهم انتهاء المشروع بموت القائد
وثانيهما : وهم التعايش مع الباطل بحجة الواقعية
وتحذر من التعامل مع الرسالات المصيرية بنوع من التذبذب والشكوك في مضامينها وحتى الشكوك في شخصية القائد نفسه
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول قَد خَلَت مِن قَبلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَو قُتِلَ ٱنقَلَم عَلَىٰٓ أَعقَٰبِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلَىٰ عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيـٔٗا وَسَيَجزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ)
ال عمران : 144
وفي تاريخ الدعوة والدعاة وجدنا
انصهاراً كاملا في المشروع الرسالي ، ولم يتاثر الدعاة بموت القادة او قتلهم او تصفيتهم من قبل أنظمة الجور والظلم ، بل استمروا في حمل الرسالة رغم سنوات الجمر والهجرة وقلة الناصر .
ولنا في شعب الجمهورية الإسلامية اليوم مثلا رائعا ، فقد استشهد قادتهم من الصف الاول والصف الثاني ، ولم يزدادوا إلا اصراراً وثباتا وتمسكا بالرسالة مع ما صاحب ذلك من حصار وتجويع واعلام مخادع وكذاب .
ان أسوأ ما تمر به الشعوب من حالات اليأس والإحباط والاستسلام حين تشعر ان قدرها ان تقبّل أيدي العدوان والاحتلال ، وهذا ما نلاحظه في بعض نفوس
الناس في العراق حين يرون انهم غير قادرين على اخراج أمريكا من العراق ، وما علينا إلا الاستسلام لوجودها العسكري على ارضنا ، وهم يتعاملون مع قدرات امتهم ومواقف بعض قادتهم الرساليين بنوع من الشك والشعور بعدم قدرتهم على الخلاص من هذا الكابوس ، وخاصة حين يستشهد القائد او يموت ( حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ) .
ان موقف الدعاة مما حولهم موقف متفرد واصيل : تمسك بالرسالة حتى النهاية ، ولن تكون محطات استشهاد القادة إلا محطات للتزود بالوقود ، وإلهاب المسيرة بوهج الدماء .