🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
لم تكن حلبجة والسليمانية بالنسبة لي مجرد مدينتين عشتُ فيهما فصلاً من حكايةِ عمري بل كانتا محطاتِ ضوءٍ أضاءت مسيرتي المهنية والعلمية ومساحات رحبة احتضنت طموحي وأوجاعي على حدٍ سواء. واليوم حين أقفُ لا أجدُ في ذاكرتي سوى صور لمشهد استثنائي مهيب وداع لم تسبق له سابقة حيث تقاطر أهل حلبجة والسليمانية بكل مؤسساتهم الأمنية والإدارية ليُشكلوا حشداً من المحبة يرافقون ويواسون أهل الطفلة (رقية) التي غيبها الغرق في مياه حلبجة.
إن هذا الحشد الذي اصطف كجدار من الوفاء لم يكن مجرد استجابة عابرة لحدث جلل بل كان مرآة صافية لنبل أهل هذه الديار وصدى لتقديرهم العميق لكل قلبٍ حمل أوجاعهم وشاركهم دمعة الألم وأبقى فيهم جذوة الأمل متقدةً رغم قسوة الفقد. لقد رأيتُ في عيونهم وفي صمتهم المهيب رسالة تجاوزت كل الكلام مفادها أن الإنسان حين يخلص لآلام الناس يسكنُ في ذاكرتهم أبدياً.
لا أجدُ وصفاً يختصرُ ما في داخلي تجاه هذا التضامنِ النبيل سوى قولي (ما أجملكم). هي جملة لا تفي حقَ قلوبٍ عرفت كيف تكون وفية في زمن الشتات وقلوبٍ تصدَت بثباتها لعبث العابثين ومحاولاتِ وزارعي الفتن. لقد أثبتم أن جوهر الإنسانية يكمن في وحدة الروح عند المحنة وأن الترابط بين أهلنا هو الحصن الذي لا ينهد.
تلك اللحظات بكل ما حملته من مشاعر جياشة وشجن، لن تذوي في أدراجِ النسيان بل ستظل ركناً أساسياً في أرشيفينا الإنساني الخالد ووقوداً لا ينضبُ شكرا لهذه المدن واهلها الاصلاء شكرا لكل دمعة مَسحتموها ولكلِ موقف جعلنا نؤمن أن للوفاء في هذه الأرضِ رائحةَ خلود..