🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في مشهد سياسي دائم التقلب يبرز تساؤل جوهري حول جدوى حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي بدعم وثيق من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان. إذ يرى المراقبون أن هذه التحركات رغم طابعها الإصلاحي المعلن لا تخرج عن كونها حلقة في سلسلة من الممارسات المألوفة التي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة لاكتساب الشرعية أو تصفية الخصوم. إن الاختبار الحقيقي لمصداقية هذه الحملة لا يكمن في ملاحقة الموظفين الصغار أو موازين القوى الوسطى بل في مدى جرأة الزيدي على تجاوز الخطوط الحمراء واستهداف مراكز النفوذ الكبرى التي مهدت له الطريق إلى سدة الحكم.
تاريخياً ارتبطت مكافحة الفساد في العراق بصراعات النخب حيث يتم توظيفها كأداة قسرية لإضعاف شبكات المحسوبية التابعة للمنافسين وإعادة صياغة الخارطة السياسية بما يخدم تعزيز السلطة.
وفي ظل هيمنة القوى المرتبطة بإيران على مفاصل الدولة وتغلغلها في شبكات الفساد والمنظومات المسلحة يظل التساؤل مشروعاً حول قدرة الحكومة على المضي قدماً في مواجهة من يمتلكون (الكلمة العليا) في القرار السياسي والأمني. فالمسؤولين في قمة الهرم غالباً ما يتمتعون بحصانة واقعية تفوق نصوص القانون مما يجعل من الحملة الحالية مناورة سياسية لا تلمس جذور الأزمة العميقة.
وعلى الرغم من الضغوط الدولية لا سيما التعاون الاستخباري مع واشنطن يظل الدور المحوري للقاضي فائق زيدان لغزاً يعقد المشهد فهو الذي يوصف بمهندس وصول الزيدي للحكومة وهو أيضاً من يمسك بزمام السلطة القضائية مما يثير مخاوف من أن تكون العملية برمتها محاولة لإعادة ترتيب الأوراق وتثبيت دعائم حكم هش تحت غطاء الإصلاح.
إن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العراقي في بلد يطفو على بحر من الموارد يعكس الفجوة الكبيرة بين الشعارات الرنانة والواقع المرير الذي يفرضه الفساد الممنهج.
إن التداعيات الداخلية لهذه السياسات تترك الشارع العراقي في حالة من الإحباط المركب فالمواطن الذي بات يدرك بفطرته الفرق بين (الإصلاح الحقيقي) و(الاستعراض السياسي) ينظر بعين الريبة إلى إجراءات لا تلامس قوته اليومي ولا توفر فرص عمل للشباب الذين تتراوح نسب بطالتهم بين ربع وثلث المجتمع. هذه الفجوة تزيد من اتساع الهوة بين السلطة والشعب، وتغذي شعوراً عاماً بالاستياء الذي قد ينفجر في أي لحظة مع تكرار الفضائح التي تكشف حجم التغول على المال العام.
إن الشارع العراقي لا يحتاج إلى حملات إعلامية تنتهي بنهاية المصلحة السياسية بل يتطلع إلى عدالة ناجزة تعيد له كرامته المسلوبة فكلما تأخرت إجراءات المحاسبة العادلة زادت مخاطر فقدان الثقة التام بالدولة ومؤسساتها وهو ما يدفع بالبلاد نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي والاضطراب.
في نهاية المطاف لن تُقاس نجاحات هذه الحكومة بقدرتها على الاعتقالات الاستعراضية بل بمدى استعدادها لتفكيك منظومة (فوق القانون) التي تتغذى على مقدرات الدولة. وإذا ما بقيت هذه الحملة محصورة في إطار التوازنات السياسية القائمة فإنها ستظل مجرد وسيلة أخرى لإدارة الأزمة بدلاً من حلها مما يعني أن العراق سيظل رهينة للنفوذ الذي أوصل الحكومة الحالية إلى السلطة وسيبقى المواطن العراقي ضحية لفسادٍ يغير أدواته ولا يغير أهدافه...