🛑فرجال... news
بقلم: محمد عبد السلام
ليست كل الحكايات التي يكتبها التاريخ تُقرأ بالحبر، فبعضها كُتب بالدموع والدم، وبعضها بقي محفورًا في الذاكرة الإنسانية؛ لأنه لم يكن مجرد حدث مرَّ وانتهى، بل كان لحظةً فارقة كشفت معدن الإنسان حين يقف أمام أعظم امتحان: امتحان الحق والباطل.
ومن بين تلك اللحظات التي لم ينجح الزمن في إخماد صوتها، يقف الثالث عشر من محرم الحرام شامخًا في ذاكرة الأيام؛ ذلك اليوم الذي سكتت فيه ضوضاء المعركة، لكن صدى كربلاء ظل يملأ الآفاق. لم يكن يومًا لدفن الأجساد فحسب، بل كان يومًا ووريت فيه أجساد مزقتها مواقف الوقوف مع الحق، وأجساد بقيت مبعثرة على الثرى، فكان لذلك الدم رسالة بقيت تنبض في ضمير الأمة جيلًا بعد جيل.
في صباح اليوم الذي أعقب عاشوراء، لم تكن أرض كربلاء كما كانت قبلها؛ فقد احتفظت الرمال بأسرار ليلة لم تشهد البشرية مثيلًا لها. هناك بقيت أجساد رجال اختاروا الطريق الأصعب، طريق التضحية حين كان الصمت أسهل، وطريق الشهادة حين كانت السلامة أقرب.
ثلاثة أيام مضت على أجساد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وهي ملقاة على رمضاء الطف بلا غسل ولا تكفين، وقد ارتفعت الرؤوس عن الأبدان في صورة تهز أعماق الإنسانية. لم تكن المأساة في الجراح وحدها، بل في أن تُترك تلك الأجساد التي حملت أطهر المعاني في مواجهة حرارة الشمس ووحشة الصحراء.
لكن كربلاء لم تكن حكاية هزيمة، ولم يكن عاشوراء نهاية صوت؛ لأن بعض الدماء، حين تُراق في سبيل الحق، تتحول إلى شهادة لا تنتهي. كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم أن المعركة ليست معركة سيوف وحراب، بل كانت اختبارًا للمبادئ، وأن الخطر الأكبر ليس على الجسد، بل على الحقيقة حين تُشوَّه، وعلى الرسالة حين تُحاصَر.
ولهذا وقف الحسين (عليه السلام)، لا طالبًا سلطانًا ولا باحثًا عن مجد شخصي، بل مدافعًا عن الدين، كما قال في كلمته الخالدة: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
وبعد رحيل جيش عمر بن سعد عن أرض الطف، بقيت الصحراء وحدها أمام مشهد يعجز القلب عن احتماله. فجاء بنو أسد إلى تلك البقعة التي احتضنت الفاجعة، فوجدوا الأجساد الطاهرة مبعثرة على الرمال، وكأن الأرض نفسها كانت تحتضن ثقل المأساة.
وقف رجال القبيلة أمام سؤال مؤلم: كيف تُعرف الأجساد وقد اختلطت آثار المصاب؟ وكيف يُشار إلى أصحابها وقد حاول الظلم أن يجعل حتى الأسماء غائبة؟
وفي تلك اللحظة التي خيم فيها الحزن والحيرة، جاء حضور الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، رغم ما كان يحيط به من أسر ومرض وألم، ليؤدي المهمة التي حفظت للتاريخ هوية تلك الأجساد.
لم يكن مجيء الإمام السجاد (عليه السلام) مجرد مشهد عاطفي، بل كان امتدادًا للرسالة وحفظًا للحق من الضياع. وقف بين الأجساد الطاهرة، فكان يعرف ما لا يعرفه الآخرون، وأعاد للشهداء أسماءهم، وكأنما كان يعرفهم بسيماهم التي غيرتها حرارة السيوف، وشمس العراق اللاهبة، ورمال كربلاء.
إن الدفن في ذلك اليوم كان أكثر من مجرد مواراة للأجساد؛ بل كان إعلانًا بأن أصحاب الحسين (عليه السلام) لن يغيبوا، وأن كل قطرة دم سقطت على أرض الطف ستبقى شاهدة على الحقيقة.
ثم جاء المشهد الذي تعجز أمامه الكلمات. وقف الإمام السجاد (عليه السلام) أمام جسد أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وهنا اجتمع وجع الابن مع مقام الأب الإمام، واجتمعت الفاجعة مع عظمة الرسالة. احتضنه طويلًا، وبكى بكاءً اختصرت فيه كل آلام كربلاء، ثم وارى الجسد الشريف قائلًا: «بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله».
لم تكن تلك الكلمات مجرد دعاء عند الدفن، بل كانت إعلانًا بأن الحسين (عليه السلام) لم يكن منفصلًا عن طريق النبوة، وأن شهادته كانت دفاعًا عن جوهر الرسالة المحمدية.
وبعد ذلك توجه الإمام إلى أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ذلك الاسم الذي بقي محفورًا في ذاكرة الوفاء؛ إذ لم يكن العباس مجرد فارس سقط في المعركة، بل كان عنوانًا للإنسان الذي يقدم العهد على الحياة، والمبدأ على النفس.
ثم أشرف الإمام على دفن بقية الشهداء، فوارى بني هاشم وأصحاب الحسين (عليه السلام)، لتستقر الأجساد في أرض كربلاء، وتنتقل إلى عالم الخلود، معلنة البراءة من الذل، ومانحة العزم والإرادة لكل من اتخذ كربلاء طريقًا، والموت تحت ظلال السيوف مسلكًا. هم الشهداء في روضة سيد الشهداء.
ولم تتوقف القصة عند الدفن، بل امتدت بما خلَّفه الإمام علي (عليه السلام) من وصية. فصوته المزلزل في أحد والخندق كان حاضرًا في كربلاء أيضًا، ولكن بصوت العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام)، فما نطقت إلا بما نطق به أبوها، فكانت كلما تكلمت سكتت الأنفاس وسكنت الأصوات.
كانت زينب (عليها السلام) تعلم أن السيف قد أسكت أصوات الرجال، لكنها أدركت أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تكمل الطريق. حملت مأساة أخيها الحسين من أرض الطف إلى الكوفة والشام، وجعلت من الأسر منبرًا، ومن الألم رسالة.
وعندما وقفت أمام يزيد، لم تقف امرأة منكسرة أمام سلطة ظالمة، بل وقفت وهي تحمل إرث النبوة وصوت علي، وكأن بلاغته تفيض على لسانها، فقالت كلمتها التي بقيت تهز وجدان التاريخ: «أَمِنَ العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟»
لقد كانت زينب (عليها السلام) صوت كربلاء الحي، نقلت الصورة التي حاولت السيوف طمسها، وكشفت الحقيقة أمام الناس، وأثبتت أن الثورة لا تنتهي بسقوط أصحابها، بل تبدأ حين يتحول الألم إلى وعي.
وهكذا أصبح الثالث عشر من محرم يومًا يتجاوز حدود الزمان، يومًا احتضنت فيه الأرض أجساد الشهداء، لكن التراب لم يستطع دفن رسالتهم؛ فقد بقي الحسين وأصحابه (عليهم السلام) حاضرين في كل موقف ينتصر فيه الإنسان للحق.
إن كربلاء تعلمنا أن بعض الأجساد حين تغيب تصبح أكثر حضورًا، وأن بعض الدماء حين تُراق تتحول إلى نور لا ينطفئ. وفي الثالث عشر من محرم بكت الرمال، وسكنت الأجساد تحت التراب، لكن صوت الحسين بقي حيًا يروي للأجيال أن الحق قد يُحاصَر، وقد يُبتلى، لكنه لا يُدفن.