🛑فرجال... news
د. ثائرة اكرم العكيدي/ كاتبة وباحثة
تتجلى في الطرح الأخير الداعي إلى حظر ممارسة المحاماة على الموظفين المتقاعدين إشكالية جوهرية تمس صميم فلسفة الحقوق والحريات في الدولة الحديثة، إذ يخلط هذا الطرح بين التنظيم المهني وبين الرغبة في ممارسة سلطة إقصائية تتنافى مع المبادئ الدستورية الراسخة. إن محاولة تصوير المحامي المتقاعد بوصفه عبئاً على المهنة أو منافساً غير مشروع تستند إلى رؤية عاطفية تفتقر إلى أي مسوغ قانوني رصين متجاهلة حقيقة أن الراتب التقاعدي لا يعدو كونه حقاً مالياً مكتسباً ناتجاً عن استقطاعات وظيفية سابقة، وليس منحة حكومية مشروطة بالتوقف عن العمل أو العزلة المهنية. إن هذا الخلط المفهومي يعكس تراجعاً في فهم طبيعة (الحق المكتسب) حيث يحاول البعض تحويل التقاعد من استحقاقٍ عن سنوات خدمةٍ طويلةٍ إلى عقوبةٍ سلبيةٍ تحرم الفرد من ممارسة مهنته التي اكتسب أهليتها العلمية والعملية وهو منطقٌ لو قُدر له أن يسود لنسف فلسفة العمل في الاقتصاديات الحرة.
يعد الحق في العمل ركيزة دستورية لا تقبل التجزئة وقد كفلته المادة (22) من الدستور العراقي كأداة لتحقيق الحياة الكريمة. إن محاولة ربط (الأهلية لممارسة المحاماة) بالوضع الوظيفي السابق للمحامي هو ضرب من ضروب التمييز المنهي عنه دستورياً بموجب المادة (14). إن التقاعد قانوناً هو انقضاء للرابطة الوظيفية مع الدولة ولا يرتب بذاته انتهاءاً للأهلية المدنية أو المهنية لذا فإن الحرمان من ممارسة العمل بعد التقاعد يعد تقييداً تعسفياً لحرية الأفراد، يفتقر إلى أي مسوغ يخدم (النظام العام) أو (المصلحة العليا).
إن التذرع بالمنافسة المهنية لا يعدو كونه قناعاً واهياً لممارسات إقصائية فالمحاماة ليست تجارة مقيدة بحصص أو كوتا بل هي رسالة قائمة على الكفاءة والاستحقاق وحرية الموكل في اختيار وكيله. إن المنطق الذي يحاول البعض تسويقه اليوم يفتح باباً من الفوضى التشريعية التي لن تقف عند حدود مهنة المحاماة فلو أقررنا مبدأ حرمان المتقاعد من العمل بناءً على استلامه راتباً تقاعدياً لانسحب هذا المبدأ بالضرورة على كافة المهن الحرة من طب وهندسة واستشارات وهو أمر يناقض طبيعة المجتمع الحديث الذي يعتمد على استثمار تراكم الخبرات لا على إقصاء أصحابه بدعوى (الإحلال العمري).
إن دور النقابات المهنية يكمن جوهرياً في تنظيم الممارسة وضمان جودتها وصيانة استقلاليتها لا في إدارة الصراع التنافسي أو تحويل النقابة إلى أداة لفرض البطالة على فئات اجتماعية معينة بدعوى حماية فئات أخرى.
إن التذرع بالعدالة المهنية لتبرير إقصاء المتقاعدين هو (عدالة زائفة) تغفل عن حقيقة أن حل معضلات المحامين الشباب والواقع الاقتصادي المتردي لا يكون بتوزيع الحرمان بل بتوسيع نطاق الممارسة القانونية وتطوير البنى التحتية للمهنة وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والتأمين المهني ومكافحة المكاتب الوهمية التي تنخر في جسد العدالة بغير وجه حق. إن المحامي المتفرغ عوضاً عن الانشغال بمحاربة زملاء له أنهوا سنوات خدمتهم أولى به أن يطالب النقابة بوضع استراتيجيات لفتح أسواق عمل جديدة مثل التحكيم التجاري والوساطة القانونية والتمثيل القانوني للشركات وهي مساحات شاسعة لا تزال تفتقر إلى المهنية والاحتراف.
إن القول بأن المحامي المتقاعد يزاحم المتفرغ يمثل هروباً من مواجهة الاختلالات الهيكلية في سوق العمل القانوني وهو هروب يغلفه خطاب نقابي شعبوي يبتعد عن جوهر العمل النقابي المؤسساتي الذي يجب أن يتسم بالشمولية لا بالإقصاء. إن الخبرة القانونية التي تراكمت لدى المتقاعد طوال عقود ليست مجرد رقم في سجلات التقاعد بل هي رأس مال بشري ومعرفي وطني لا ينبغي إهداره تحت حجج واهية إذ إن القانون علم تراكمي والمهارة القانونية تزداد صقلاً بالخبرة والممارسة. لذا فإن الدعوة إلى تقييد العمل المهني ليست سوى سقطة حقوقية تستوجب المراجعة النقدية العميقة فالدولة لا تبنى بإقصاء أفرادها بل بفتح الآفاق أمام طاقاتهم ولا يمكن لنقابة المحامين أن تطالب بحماية سيادة القانون وهي تدعو صراحة إلى انتهاك الحقوق الدستورية التي كفلها القانون الأساسي لكل العراقيين.
إن الطريق الأمثل للنهوض بمهنة المحاماة يمر عبر استراتيجيات التطوير المهني والتحول الرقمي وتوسيع دوائر العمل القانوني بعيداً عن سياسات الإقصاء التي لا تزيد المهنة إلا انقساماً وضعفاً. إن على نقابة المحامين أن تعيد التمركز في دورها التنظيمي والحمائي للقانون أولاً لا أن تغرق في معارك تفتقر إلى الأساس القانوني والمنطق الاقتصادي السليم فالحق في العمل هو حق أصيل ولا يجوز لأي تنظيم نقابي مهما بلغت سلطته التنظيمية أن يصادره أو يضع عليه قيوداً تخالف مبدأ العدالة والمواطنة الدستورية. إننا أمام مفترق طرق إما أن نمضي نحو نقابة حداثية تستوعب الخبرات وتدعم الشباب بآليات بناءة أو أن نغرق في صراعات الأجيال التي لن تؤدي إلا إلى إضعاف هيبة المحاماة ذاتها..