🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
لم يكن مقالي هذا من بوابة المدح الباذخ بل هو توصيف لحالة عشتها وانا اعيد الإنصات لمرات عديدة لقصيدة الملا باسم الكربلائي (شال الهوى الهاب) ففي عالم القصيدة الحسينية لا يكفي أن تكون الكلمات جميلة ولا أن يكون اللحن مؤثراً بل إن لحظة الإبداع الحقيقية تولد عندما تتوحد الكلمة مع الصوت ويصبح الأداء امتداداً للنص لا مجرد وسيلة لإلقائه وهذا ما نجده بوضوح في الإصدار الجديد ((شال الهوى الهاب)) كلمات الشاعر ناظم الحاشي وأداء الرادود المتمكن جدا الملا باسم الكربلائي.
ليست القصيدة هنا نصاً يُقرأ وإنما تجربة وجدانية تُعاش، فالكلمات تحمل حرارة اوجاع الفقد ، غير أن الملا باسم لا يكتفي بنقلها إلى المستمع بل يعيد خلقها بصوته العابق بالوجدان، حتى يشعر المتلقي أن الحروف خرجت من قلب الرادود قبل أن تخرج من فمه ، لقد اعتاد الملا باسم الكربلائي أن يجعل من صوته شريكاً في صناعة المعنى إلا أن هذا الإصدار يكشف مستوىً آخر من النضج الفني كما أرى ، فهو لا يؤدي الأبيات بإيقاع واحد بل يطارد كل مفردة بما يناسبها من إحساس فيرفع صوته حين يعلو الوجع ويخفضه حين يدخل النص منطقة الانكسار ويتوقف عند بعض الكلمات وكأنه يمنحها فرصة لتبكي قبل أن يكمل الطريق،
إن أهم ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو التطابق بين النغم والدلالة، فالألحان الحزينة ليست خلفية موسيقية للنص وإنما هي جزء من بنائه الدلالي وكأن اللحن يشرح ما تعجز الكلمة عن قوله بينما يتولى الصوت ترجمة ما يعجز اللحن عن الإفصاح عنه ، وفي هذا الإصدار يتعامل الملا باسم مع صوته بوصفه آلة تعبيرية كاملة، فالتنقل بين الطبقات الصوتية والوقفات والمدود والانكسارات ليست زخارف أدائية وإنما لغة ثانية موازية للقصيدة، لذلك لا يسمع المستمع الكلمات وحدها بل يسمع الألم وهو يتشكل نغماً ، أما الشاعر ناظم الحاشي فقد كتب نصاً يمتلك قابلية عالية للتجسيد الوجداني ، وهذا النوع من النصوص لا ينجح مع كل مؤدٍ لأنه يحتاج إلى قارئ يستطيع أن يقرأ ما بين السطور وأن ينقل المعاني المستترة قبل الظاهرة، وقد وجد النص في الملا باسم من يستطيع أن يمنحه هذا الامتداد الشعوري،
ومن هنا يمكن القول إن نجاح (شال الهوى الهاب) لا يعود إلى جمال النص وحده ولا إلى براعة الأداء وحدها وإنما إلى ذلك الانسجام النادر بين الشاعر والرادود، انسجام يجعل المستمع لا يميز أين انتهت الكلمات وأين بدأ الصوت ، إن بعض الرواديد يقرأون القصيدة وبعضهم ينشدها لكن الملا باسم الكربلائي في هذا الإصدار يعيشها، ولهذا يصل إلى القلب قبل الأذن لأن الإحساس حين يكون صادقاً لا يحتاج إلى ترجمة ، وهكذا تؤكد (شال الهوى الهاب) أن القصيدة الحسينية ليست مجرد نص أدبي بل مشروع وجداني متكامل تتآزر فيه الكلمة واللحن والصوت لصناعة تجربة روحية وإنسانية عميقة تبقى في ذاكرة المستمع لأنها لم تخاطب سمعه فقط بل خاطبت وجدانه.