🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
لم تعد العلاقة بين بغداد وواشنطن حبيسة التوصيف التقليدي لمراحل ما بعد عام 2003 فقد تبلورت اليوم لتأخذ شكل شراكة استراتيجية معقدة يغلفها خطاب دبلوماسي رفيع لكنها في جوهرها تظل محكومة بملفات شائكة. ومع بدء رئيس الوزراء علي فالح الزيدي زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة هذا الأسبوع يجد العراق نفسه أمام اختبار وجودي لمستقبل توازناته إذ تلوح إدارة الرئيس دونالد ترامب بـ(حبة البن) كرمز للتعاون الاقتصادي والمحفزات الاستثمارية وهي استراتيجية تهدف إلى استخدام (الإغراء الاقتصادي) المتمثل في رائحة المكاسب والازدهار التي تثير شهية الاستقرار لجذب الحلفاء نحو معسكرها ودمجهم في المنظومة الرأسمالية العالمية، في مقابل (السوط المُر) من الضغوط الصارمة التي تنتظر أي تراجع في الالتزامات العملية لبغداد لا سيما في ملفات تحجيم النفوذ الإيراني وضبط السلاح المنفلت.
تعود جذور هذه المرحلة إلى الغزو الأميركي عام 2003 الذي أطاح بنظام صدام حسين، ليفتح الباب أمام عقدين من الاضطرابات السياسية. ورغم اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2008 إلا أن الفراغ الأمني اللاحق أدى إلى دورات متلاحقة من العنف وصعود تنظيم داعش في 2014 مما أعاد القوات الأميركية للمشهد ضمن تحالف دولي.
ومع هزيمة التنظيم في 2017 بدأ التحول نحو السيادة الوطنية وتوج ذلك في 2021 بالانتقال إلى مهام التدريب والمشورة. وفي سبتمبر 2024 أُعلنت خطة إنهاء مهام التحالف رسمياً. وبحلول مطلع عام 2026 تسلم الجيش العراقي قاعدة عين الأسد لتبدأ القوات الأميركية إعادة انتشار تتركز في إقليم كردستان، مع استمرار تنسيق العمليات في سوريا حتى سبتمبر 2026 كحد أدنى، وهو جدول زمني يظل رهناً بالظروف الميدانية المتقلبة.
إن هذا المسار لا ينفصل عن التجاذبات الإقليمية فإسقاط نظام صدام عزز نفوذ القوى السياسية المرتبطة تاريخياً بطهران. وقد تجسد الانفجار الكبير في هذا التوازن بمقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في 2020 وما تلاه من تصعيد. ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير 2026 زادت الضغوط على بغداد، لا سيما مع تورط بعض الفصائل المسلحة في مهاجمة المصالح الأميركية والخليجية. وترى واشنطن أن مفتاح الاستقرار العراقي يكمن في حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية ومنع اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج إطار الدولة. وتعد هذه القضية هي العقدة الأبرز في ظل وجود الحشد الشعبي بتركيبته المتباينة الولاءات مما يجعل حكومة الزيدي في موقف لا تُحسد عليه وهي تحاول موازنة الالتزامات الدولية مع الضغوط السياسية المحلية القوية.
تتطلع حكومة الزيدي إلى تحويل العلاقات مع واشنطن من الطابع الأمني إلى التشاركية الاقتصادية. الهدف واضح وهو جذب الشركات الأميركية لقطاعات الطاقة والبنية التحتية، وضمان استقرار تدفق الدولار عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. تدرك بغداد أن هذا المسار يمنح واشنطن نفوذاً مالياً استثنائياً، لكنها تراه ثمناً ضرورياً للحصول على دعم دفاعي وتقني يحررها من القيود المالية والاقتصادية. في المقابل تظل العلاقة مع إيران ركيزة حيوية للعراق نظراً للتشابك الحدودي والديني واحتياج العراق للغاز الإيراني، مما يجعل السياسة الخارجية العراقية أشبه بسير حذر على حبل مشدود.
تضع إدارة ترامب قائمة مطالب غير قابلة للتفاوض أمام الزيدي، تتصدرها خطوات عملية لنزع سلاح الفصائل وتفعيل رقابة صارمة على تهريب الدولار وتقليص الاعتماد على الغاز الإيراني. ويشير المحللون إلى أن ترامب يعتمد دبلوماسية (حبة البن)إذ يفتح أبواب البيت الأبيض والوعود بالنمو الاقتصادي كحافز لجذب النخب السياسية نحو خيارات السوق الحرة والارتباط الاستراتيجي بالغرب لكن يده لا تبتعد عن (السوط المُر) المتمثل في العقوبات. فالإدارة الأميركية الحالية لا تملك ترف الانتظار ولن تتردد في تفعيل الضغوط القصوى إذا ما أظهرت حكومة الزيدي عجزاً عن مواجهة المنظومة السياسية التي تسيطر على مفاصل الدولة وتعد الولايات المتحدة خصماً استراتيجياً لها.
إن مستقبل العراق بين هذين القطبين مرهون بمدى قدرة الزيدي على المناورة داخل بيئة سياسية ملغومة. إن الشراكة الاستراتيجية اليوم ليست مجرد مذكرات تفاهم حول النفط والغاز بل هي اختبار حقيقي لمصداقية الدولة العراقية. فإما النجاح في تحويل العراق إلى نقطة توازن إقليمي مستفيدة من التكنولوجيا والاستثمارات الغربية أو الانزلاق نحو عزلة دولية واضطرابات داخلية ناتجة عن اصطدام الإرادات الإقليمية والدولية على أرضه. الأيام المقبلة ستكشف للرأي العام ما إذا كانت زيارة واشنطن بداية لحقبة جديدة من الاستقرار التنموي أم أنها مجرد محاولة أخيرة لتأجيل مواجهة حتمية بين الرغبة في الإصلاح والتغيير وبين واقع النفوذ السياسي والأمني المستحكم الذي يحيط بمفاصل القرار في بغداد حيث تتشابك المصالح لتجعل من كل خطوة سياسية عملية توازنات دقيقة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة وسط ترقب إقليمي لمآلات هذه الزيارة المصيرية..