🛑فرجال... news
بقلم الصحفي : محمد الجوراني/ البصرة
من المزمع عودة رئيس الوزراء علي الزيدي من واشنطن ، بحزمة تفاهمات في ملفي الطاقة و الإستثمار ، و في جعبته أرقام بالمليارات ، توقيعات و تصريحات عن مرحلة جديدة ، لكنه سيعود أيضاً إلى المشهد ذاته في بغداد ، و الذي يبدو مؤسسة بلا خطة تشغيلية ، و مشروع تكلفته ثلاثة أضعاف الجدوى الإقتصادية ، و منظومة فساد تتقن التنكر تحت عنوان المصلحة الوطنية و التوازن السياسي ..؟؟
هنا يبرز السؤال الذي يؤرق المواطن العراقي اليوم ، الذي لم نعد نسأل .. هل لدينا أموال ..؟؟ ، بل صرنا نسأل أين تذهب هذه الأموال .. و لماذا لا نرى أثرها..!!؟؟
أولاً : علينا تشخيص الخلل لكونه أزمة إدارة لا أزمة موارد ، فالأرقام لا تحتمل التأويل ولا المزايدة .. يحقق العراق إيرادات نفطية تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً ، و يمتلك ثاني أكبر إحتياطي للنفط في الشرق الأوسط ، و أرضاً زراعية تتجاوز 12 مليون دونم صالحة للزراعة ، و موقعاً لوجستياً يربط الخليج العربي بتركيا و أوروبا ، و إشعاعاً شمسياً يتجاوز 300 يوم في السنة ، و نهرين كانا شريان حضارة للعالم ..!!
إن العراق لا يعاني أزمة موارد .. العراق يعاني أزمة إدارة موارد ..؟؟ ، و الدليل الأوضح هو أداء أربع وزارات سيادية إنتاجية و هي : الصناعة و النقل و الزراعة و الاتصالات .
لا تتجاوز مساهمتها في الإيرادات غير النفطية 3% ، وقد تحولت من قطاعات منتجة إلى دوائر إستهلاك و رواتب .
و كانت المحصلة إقتصادياً ريعياً أحادي الجانب .. أي تذبذب في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات ينعكس مباشرة على الموازنة العامة و الخدمات الأساسية و الرواتب .
ثانياً : الحرب الأخيرة مرآة و العجز الإستراتيجي منذ 2003 .. كشفت التطورات الأمنية في الدول المؤثرة في المنطقة ، حجم الهشاشة في التخطيط الإستراتيجي للدولة العراقية .
ففي الوقت الذي أعادت فيه تلك الدول هندسة أولوياتها في ثلاثة مسارات مصيرية ، و هي تأمين مصادر الطاقة ، و تحقيق الأمن الغذائي ، و ضمان إستمرارية تدفق السلع و البضائع عبر المنافذ و الموانئ ، حيث كان العراق ولا يزال أسير معادلة توزيع المناصب و المحاصصة ..!!
منذ عام 2003 و نحن نعالج الأزمات بأدوات رد الفعل .. لا توجد رؤية عشرية ملزمة ، توجد تسوية سنوية لا توجد أولويات قومية ، توجد أولويات كتل .
فكانت النتيجة دولة تملك الوفرة في زمن السلم ، و تعاني العجز في زمن الأزمات .
ثالثاً : خمس أزمات فرعية تغذي الأزمة الكبرى وهي :-
1. أزمة البيانات .. لا توجد قاعدة بيانات وطنية موحدة و شاملة عن المشاريع و الموظفين و العقارات .
2. لذلك تتكرر ظاهرة المدارس و المستشفيات الوهمية و المشاريع المكررة .
3. إننا ندير دولة بلا بوصلة معلومات .
4. أي قرار بدون بيانات هو تخمين مكلف .
5. أزمة الثقة .. فقد المواطن و المستثمر الثقة معاً .
6. يلجأ المواطن إلى الدولرة ، ويلجأ المستثمر إلى الهروب للخارج .. ولا إستثمار أجنبي دون ثقة ، ولا ثقة دون سيادة القانون واستقرار التشريعات .
3. أزمة الكفاءات المهاجرة .. يتواجد خارج العراق نحو 6 ملايين عراقي ، بينهم عشرات الآلاف من الأطباء و المهندسين و أساتذة الجامعات .
4. نستقدمهم كمستشارين بأضعاف الكلفة ، بينما نهمل إستثمارهم في الداخل .
5. إنها ليست أزمة عقول .. بل أزمة إدارة العقول .
4. أزمة المؤسسات المستقلة .. الهيئات الرقابية تحولت من أدوات محاسبة إلى أدوات تسوية .. لا أستقلالية فعلية ، ولا حماية لموظفيها .
5. فكيف نحاسب الفساد بأدوات يسيطر عليها الفساد..؟؟
6. أزمة الرؤية الإقتصادية .. لا توجد خطة واضحة للإنتقال من إقتصاد الريع إلى إقتصاد متنوع .
7. نتحدث عن التنويع في كل خطاب ، لكن الموازنة بعد 20 سنة لا تزال 90% منها نفط .. التنويع ليس شعاراً ، هو مشاريع و موازنات و جداول زمنية .
رابعاً : جوهر الأزمة هو سياسي في العمق ، إقتصادي في المظهر .. كل أختلال إقتصادي هو إنعكاس مباشر لخلل في آلية صنع القرار السياسي .
1. معيار التعيين .. الولاء الحزبي بدل الكفاءة المهنية ، فتجد مديراً عاماً لا يعرف أبسط مفردات وزارته .
2. معيار الإحالة .. العرض الأعلى سعراً بدل العرض الأكفأ تنفيذاً .. لذلك تتضخم الكلف و تتأخر المشاريع .
3. معيار المحاسبة .. الحماية الحزبية و العشائرية بدل سيادة القانون .
و طالما بقيت هذه الثلاثية قائمة .. ستظل أي ورقة إصلاح فنية بلا أثر يذكر .. سنبقى نرسم خططاً على الورق بينما الواقع يديره منطق آخر .
خامساً : خارطة طريق اليد الحديدية .. سبعة قرارات لا تحتمل التأجيل .. الضرب بيد من حديد ليس شعاراً أمنياً ، بل هو قرار إداري و سياسي حاسم يتطلب التالي :
1. سيادة القانون بلا إستثناءات و محاسبة الفاسد الكبير قبل الصغير ، لا حصانة باسم حزب أو جهة أو عنوان ، و تفعيل قانون من أين لك هذا .
2. وقف نزيف الكلف التخمينية و تشكيل هيئة تدقيق فني و قضائي مستقلة لمراجعة كل مشروع تتجاوز كلفته 10 مليارات دينار .
3. إن تضخيم الكلفة بنسبة 200% جريمة إقتصادية تستوجب المساءلة الجنائية .
4. إعادة هيكلة الوزارات الإنتاجية و تحويلها إلى مصدر إيراد و منها : وزارة الصناعة .. من دائرة رواتب إلى مشغل لـ 200 مصنع متوقف عبر الشراكة مع القطاع الخاص وفق عقود واضحة .
5 - وزارة الزراعة .. من بوابة إستيراد إلى ركيزة للأمن الغذائي و سلاسل القيمة الزراعية .
6 - الهدف هو خفض فاتورة الإستيراد الغذائي بنسبة 50% خلال 3 سنوات .
7 - وزارة النقل .. من عجز متراكم إلى شركة قابضة وطنية تدير الموانئ و السكك و الطيران كمصدر سيادي للإيراد .
8 - وزارة الإتصالات .. من فاتورة جباية إلى بنية تحتية رقمية و محرك للحكومة الإلكترونية و الإقتصاد الرقمي .
1. بناء بنك معلومات وطني و رقمنة جميع عقود الدولة و موظفيها و مشاريعها خلال 18 شهراً ، فالشفافية هي الخطوة الأولى و الأهم في طريق مكافحة الفساد .
2. أستقطاب رأس المال البشري عبر إنشاء صندوق وطني لإستعادة الكفاءات العراقية من الداخل و الخارج ، ويكون المعيار الوحيد هو الإنجاز و الكفاءة والولاء للعراق .
3. لا مناصب شرفية .. بل مناصب تنفيذية .
4. إصلاح النظام الضريبي و الجمركي ، و تحويل المنافذ من بوابات تهريب إلى مصدر إيراد سيادي ، 1 مليار دولار تهدر سنوياً في المنافذ .
5. هذا وحده يكفي لبناء 100 مدرسة .
6. إطلاق مشروع وطني للطاقة المتجددة ويأتي عبر استثمار الشمس لخفض أحمال الكهرباء 30% خلال 5 سنوات .. لن ننتظر الغاز المستورد لننير بيوتنا .
7 - إختبار واشنطن يبدأ في بغداد .. إن الفرص التي يسعى رئيس الوزراء لإلتقاطها دولياً لن تكتمل إلا بقرار داخلي موازٍ لها .. فالمستثمر الأجنبي لا يسأل عن حجم العوائد فقط ، بل يسأل سؤالين جوهريين و هما هل القضاء نزيه..؟؟ و هل الإدارة مستقرة..؟؟ .
إن أي عقد يوقع في واشنطن سيموت في دهاليز الروتين و البيروقراطية و الإبتزاز في بغداد ، إذا لم نصلح البيت الداخلي أولاً ..!!
إن القرار السياسي قبل القرار الإقتصادي وإن المواطن لا يطلب المعجزات ، بل يطلب دولة تحترم دينار المواطن كما تحترم دولار النفط .
دولة يقاس وزنها بعدد مصانعها العاملة لا بعدد مواكبها ، دولة يكون فيها المهندس أهم من الحماية و الطبيب أهم من المستشار .
اللحظة الراهنة تتطلب إعلاناً واحداً لا لبس فيه ، و هو أنه لا حزب فوق القانون ، ولا مشروع فوق الجدوى الإقتصادية ، ولا وزارة خارج معادلة الإنتاج..!!
التاريخ لا يرحم .. إما أن نبدأ اليوم بقرارات موجعة لكنها منقذة ، أو سنبقى أغنى دولة في الشرق الأوسط ، و أكثرها شكوى من الفقر .. فمتى نبدأ..!!؟؟