🛑فرجال... news
منذ طفولتي، كان يراودني حلم واحد: أن أرى بلدي شامخًا، مهيبًا، يحظى بالاحترام بين شعوب العالم. وكنت أتساءل باستمرار: هل تصنع القوة العسكرية وحدها هيبة الأمم؟ وهل امتلاك السلاح هو الطريق إلى الكرامة والعزة؟ ومع مرور الزمن أدركت أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة فحسب، بل بما تصنعه من إنسان متميز قادر على رفع اسم وطنه في المحافل الدولية.
من هنا وُلدت لديّ فكرة مختلفة، تقوم على صناعة الإنسان الاستثنائي، واكتشاف أصحاب المواهب والقدرات الفريدة، ثم إعدادهم وتأهيلهم ليكونوا سفراء حقيقيين لوطنهم في مختلف ميادين العلم والفكر والثقافة والإبداع. فالأمم العظيمة تُبنى بعقول أبنائها قبل أن تُبنى بإمكاناتها المادية.
ولتحقيق هذا التصور تعمقت في دراسة فلسفة الإنسان، حتى توصلت إلى ما أسميته ‘‘الفلسفة التجريدية للإنسان"، وهي رؤية فلسفية تهدف إلى الارتقاء بالإنسان فكريًا وروحيًا ومعرفيًا، ليكون مصدرًا لصناعة الحضارة لا مجرد متلقٍ لها. وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي طرحت هذه الفكرة، ولاقت اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام والصحف، إلا أنها لم تجد من يتبناها أو يوفر لها الدعم اللازم. وبعد عام 2003 أعدت طرحها مجددًا، لكن النتيجة لم تختلف، إذ بقي المشروع حبيس الأفكار في وقت كانت فيه ثروات البلاد تُهدر، وتُبدد مقدراتها بعيدًا عن أي مشروع وطني حقيقي.
لقد آمنت دائمًا بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر ولا في المظاهر، وإنما في الإنسان. لكن المؤسف أن الأموال التي كان يمكن أن تصنع نهضة فكرية وحضارية، ذهبت إلى الفساد والعبث، حتى وصل الأمر إلى إنفاقها على مظاهر لا تضيف للوطن قيمة، بينما بقيت المشاريع الفكرية والعلمية التي يمكن أن تصنع مستقبل العراق منسية ومهملة.
ولهذا أوجه رسالتي إلى من استحوذوا على الأموال والثروات، وأقول: إذا كانت لديكم فوائض مالية لا تجد طريقها إلى خدمة الوطن، فتبنوا مشروعًا يصنع الإنسان، فذلك خير من أن تُهدر تلك الأموال أو تبقى مجمدة أو تضيع خارج البلاد. إن صناعة الإنسان المبدع هي الاستثمار الوحيد الذي يبقى أثره للأجيال.
كما أتمنى من الجهات المختصة، ولا سيما دائرة الآثار والتراث، دراسة إمكانية تخصيص دار صدام السابق في بابل ليكون مقرًا لهذا المشروع الفكري، لما يتمتع به الموقع من مقومات بيئية ومعمارية يمكن أن توفر أجواءً ملائمة للتأمل والإبداع والتدريب الفكري، فضلًا عن ارتباطه برمزية حضارة وادي الرافدين، التي كانت منطلقًا لأقدم المدارس الفكرية والإنسانية في التاريخ. وأرى أن هذا المشروع يمثل امتدادًا معاصرًا لفلسفة المعابد القديمة، ولكن بصيغة إنسانية حديثة تهدف إلى بناء العقل والوعي.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس المال وحده، بل حسن اختيار الأشخاص الذين يمتلكون الاستعداد للتميز، ثم توفير بيئة علمية وفكرية قادرة على صقل مواهبهم، لأن هذه المهمة تتطلب جهدًا ومثابرة وتركيزًا ورؤية بعيدة المدى.
قد يبدو هذا الحلم بعيد المنال في واقع تتغلب فيه المصالح الضيقة على المشاريع الوطنية، لكنني ما زلت أؤمن بأن نهضة العراق تبدأ من الإنسان، وأن رفع راية الوطن بين الأمم لا يتحقق بالشعارات، بل بصناعة عقول قادرة على الإبداع والتأثير وصناعة المستقبل.
ربما يراه البعض مجرد حلم، وربما يعده آخرون فكرة غير واقعية، لكن جميع الإنجازات الكبرى في التاريخ بدأت بحلم آمن به صاحبه، ثم تحول إلى مشروع غيّر واقع الأمم. وسيبقى أملي أن يأتي اليوم الذي يجد فيه هذا المشروع من يؤمن به، ليصبح العراق مصنعًا للعقول المبدعة، ومنارةً للحضارة، كما كان عبر تاريخه الطويل.