🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
أكثر من عقدين من ضجيج المولدات والدخان والتلوث البيئي والمآساة خاصة في فصل الصيف ومئات المليارات من الدولارات التي ابتلعها ثقب أسود يُدعى (ملف الكهرباء) وكأن العراق المحاط ببحار من النفط والغاز محكوم أبدياً بأن يعيش في ظل المعاناة والعوز هكذا حُفرت أزمة الطاقة في الذاكرة الجماعية للعراق كجرح خدمي لا يندمل ومسرح دائم للوعود المتبخرة مع أول لظى صيفي. لكن المشهد اليوم ينقلب رأساً على عقب عبر صدمة إيجابية نادرة وغير معهودة قد تزيح هذا الكابوس الثقيل للأبد، متمثلة بالانتقال الجذري من سياسة (الترقيع) وشراء المحطات المعزولة إلى توقيع خطة استراتيجية شاملة وعابرة للأزمات مع عملاق الطاقة العالمي (جنرال إلكتريك ..GE). هذه الاتفاقية ليست مجرد حبر على ورق أو عقود تجارية عابرة لبناء محطة هنا أو هناك بل هي هندسة هيكلية متكاملة لإعادة بناء قطاع الطاقة العراقي من جذوره متجاوزة المفهوم التقليدي للعقود لتشمل خارطة طريق هندسية واقتصادية رصينة ترتكز على إنشاء محطات توليد جديدة تعتمد أحدث التقنيات وتوسيع وتحديث المحطات القائمة لرفع طاقاتها الإنتاجية وتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات. وإلى جانب ذلك، تولي الخطة اهتماماً بالغاً بتطوير شبكات النقل والتحويل لإنهاء الاختناقات التاريخية التي عانت منها المنظومة طويلاً مع ربط مشاريع الإنتاج بتوفير مصادر الوقود اللازمة لضمان استدامة التشغيل بأعلى كفاءة ممكنة فضلاً عن المضي قدماً بمشاريع الربط الكهربائي الإقليمي وفي مقدمتها الربط مع المملكة العربية السعودية لتبادل الطاقات ودعم استقرار الشبكة الوطنية في أوقات الذروة. إن الهدف الاستراتيجي من وراء هذه المنظومة المتكاملة هو قهر الاختناقات المزمنة وتقليل الفاقد الفني وتحقيق استقرار حقيقي في المنظومة الكهربائية ينعكس إيجاباً وتدريجياً على زيادة ساعات التجهيز للمواطن وحركة الاقتصاد الوطني والقطاعات الصناعية والتجارية التي تعتمد كلياً على استقرار الطاقة. ومع ذلك، فإن هذا الطموح الهائل يرتطم بمحك الواقع والتاريخ العراقي المعقد إذ إن نجاح هذه الخطة وكونها نقطة التحول الكبرى التي طال انتظارها لا يعتمدان البتة على ضخامة التوقيع أو بريق الوعود، وإنما يظلان مرهونين حصراً بصرامة الجداول الزمنية وسرعة الإنجاز على أرض الواقع والالتزام المؤسسي والتمويلي بمعزل عن التجاذبات السياسية أو البيروقراطية. وإذا ما توفرت الإرادة الحقيقية والحوكمة الصارمة والرقابة الهندسية والمالية لتنفيذ تفاصيل هذه الاتفاقية فإن العراق سيكون أمام فرصة ذهبية وتاريخية للتعافي الكامل وإسدال الستار أبدياً على كابوس الظلام الذي طال أمده معيداً الحياة والدفء والاستقرار إلى كل بيت عراقي طال انتظاره لهذه اللحظة الحاسمة.
باختصار يقف العراق اليوم على مفترق طرق حاسم بين ماضٍ أثقلته العتمة وأرهقه لهيب الصيف وبرد الشتاء ومستقبل تلوح فيه بارقة أمل حقيقية بفضل الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
إن معضلة الكهرباء لم تكن يوماً مجرد نقص في الطاقة بل كانت اختباراً لقدرة الدولة على تحويل الثروات إلى رفاه حقيقي للمواطن الصابر.
واليوم لم تعد الأعذار مقبولة ولا التلكؤ مبرراً بعد عقدين من المعاناة والهدر المستمر.
فالفرصة مواتية أمام المؤسسات الرسمية لتثبت جديتها في إنهاء كابوس استنزف طاقات البلاد وأعصاب الناس.
إن إنجاز هذه الخطة بلا تسويف أو فساد يعني ببساطة ولادة عراق جديد ينبض بالحياة والاستقرار.
بينما أي تراجع سيعيد البلاد حتماً إلى نقطة الصفر المظلمة والمحبطة.
ويبقى المعول الأخير على الإرادة الحقيقية لترجمة هذه الاتفاقية إلى نور دائم يضيء كل بيت عراقي...